الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لعبة المحاور في الشرق الأوسط

عبد الحميد المجالي

الثلاثاء 2 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 107

ربما تكون منطقة الشرق الاوسط اكثر مناطق العالم قابلية لخلق الصراعات والحروب والانقسامات، سواء بعوامل مردها سلوك الفاعلين الاقليميين في المنطقة، اوالفاعلين الدوليين وخاصة الدول الكبرى التي لم تخرج منطقة الشرق الاوسط من اجندتها الخارجية منذ ان اعتبرت الدول الاوروبية الامبراطورية العثمانية رجلا مريضا يجب تقاسم ممتلكاته والسيطرة عليها اما بالحرب او بالدبلوماسية المعززة بقوة السلاح والتقدم الحضاري الشامل.
ولأن الشرق الاوسط منطقة نزاعات وصراعات دائمة ومتنوعة الاهداف والآليات، فان التحالفات والمحاور تصبح امرا ضروريا وطبيعيا؛ لان مثل هذه الصراعات لا تخوضها الدول منفردة، بل لابد من تعاون ثنائي او متعدد الاطراف لخوض هذه الصراعات وتحقيق الاهداف من الدخول فيها اما طوعا او كرها.
والمحاور او التحالفات في الشرق الاوسط ذات مواصفات خاصة اولها: انها متقلبة وغير ثابته، ولا تستند الى قيم استراتيجية تجعل منها حالة دائمة يمكن الاعتماد عليها لاعداد خطة سياسية واقتصادية وطنية في كل دولة من دول هذه المحاور، وتحديد مواقفها المستقبليه؛ ولذلك فانه يمكن اعتبارها محاور مؤقتة قد يغيرها مزاج زعيم او مصلحة آنية في قضية ثانوية. وثانيها: ان الاطراف الاعضاء في هذه المحاور تختلف مصالحهم وتطلعاتهم، نظرا لغياب وضوح الاهداف النهائية من اقامة هذه المحاور التي تتشكل في كثير من الاحيان لاسباب تتعلق بالمناكفة الآنية بين دولة واخرى. وثالث هذه المواصفات: ان هذه المحاور قابلة للتفكك عند تدخل دولة كبرى فيها؛ لاعادة تشكيلها بما يكفل اهدافها ومصالحها الاساسية.
ونظرا للميوعة الظاهرة في هذه المحاور، فانه يمكن توقع انقلابها من الضد الى الضد في ايام وربما ساعات قليلة، ما يجعل وضع خريطة دائمة لهذه المحاور امرا عسيرا. ومع ذلك فانه يمكن رسم بعض ملامح هذه المحاور حتى لو كانت بعض الدول لديها استعداد للقفز من محور الى آخر وفقا لما تقتضيه مصالحها.
لقد فرض الربيع العربي وتداعياته ظروفا جعلت بعض الدول تدخل في محاور يتم تشكيلها بالضرورة، نظرا للظروف الجديدة، واكثرها قسوة وتفجرا كانت الازمة السورية التي اختلط فيها السياسي بالديني والمذهبي وتطلعات الهيمنة. كما تداخل فيها الوطني بالاقليمي والدولي. ولذلك رسمت هذه الازمة محاور على النحو التالي :
ـ محور ايران وحلفائها بمشاركة روسية ظاهرة احيانا وغير علنية احيانا اخرى؛ نظرا لتناقض الاهداف النهائية من تقارب موسكو مع هذا المحور وخاصة حول مستقبل سوريا وتقاسم النفوذ فيها، وهو المحور الأكثر ثباتا على اي حال طيلة سنوات الازمه.
ـ محور دول الخليج الذي يتناقض في اهدافه التكتيكية والاستراتيجية مع المحور الايراني في اطار الصراع الايراني الخليجي، والعربي الايراني.
ـ دول اللامحاور في الازمة السورية والتي تتحرك كل واحدة منها منفردة، مثل تركيا التي اقتربت من المحور الخليجي في بداية الازمة ثم ابتعدت عنه لتتقارب مع روسيا نكاية بواشنطن وحلف الاطلسي؛ حفاظا على مصالحها واهدافها وخاصة بعد ان تاكدت ان روسيا هي الفاعل الاكبر في هذه الازمة.
و ظلت الولايات المتحدة فعليا خارج هذه المحاور غير ملتزمة باسس واهداف اي منها، مكتفية بالتنسيق مع اسرائيل التي تعمل في الخفاء ضمن محاور سرية يغطيها شئ من الظلال. فقد كانت واشنطن تدعم المعارضة السورية بحدود معينة حينا و تبتعد عنها حينا آخر الى ان تخلت عنها نهائيا في الوقت الحاضر. فيما وقفت ضد السياسة التركية، وسلمت في الوقت نفسه لروسيا بدور رئيس وفاعل في سوريا ـ ربما باتفاق ثنائي ـ تعويضا لها عن خسارتها ليبيا بعد القذافي والعراق بعد صدام حسين.
وقد غيرت الازمة الخليجية من أطر هذه التحالفات. وظهر الى العلن محور قطر تركيا ومحور قطر ايران، في مقابل محور الدول الاربع المقاطعة لقطر وهي مصر والسعودية والامارات والبحرين، فيما تتنقل بعض الدول من هذا المحور الى ذاك، ومنها على سبيل المثال جمهورية السودان التي اعلن رئيسها مؤخرا بعد دعوة الرئيس التركي لزيارة الخرطوم، انحيازه التام للمحور التركي، ولم يكتف بذلك بل اشعل منطقة صراع اخرى في المنطقة وهي البحر الاحمر، بعد ان اهدى اردوغان جزيرة سواكن، ما اثار حفيظة السعودية ومصر رغم ان السودان لايزال عضوا في التحالف العربي الذي يصارع ايران في اليمن. ونظن انه سينسحب منه قريبا.
وهناك دول عربية واجنبية لايمكن فهم او تصور مواقفها مما يجري، إذ تحدد مواقفها وفقا لظروفها. وهي في الحقيقة دول غائبة لاتمارس ادوارا في التفاعلات الدولية والاقليمية في المنطقة؛ ما يجعل من الصعب ان تحسب على محور دون آخر.
هذا بعض من ملامح خريطة المحاور الهلامية في الشرق الاوسط والقابلة للتغيير بين لحظة واخرى رغم ازدحامها وتعدد اهدافها، ومع ذلك فان لكل محور قصة خاصة به تحرك فصولها السياسة والمصالح لبعض الدول، وصراع البقاء لدول اخرى. وقراءة المشهد في اطاره الواسع، يشير مع الأسف الى ان اللعبة بمجملها تدار بشكل رئيس و تتحكم بمساراتها واتجاهاتها وفي تشكيلها ايضا، دول اقليمية ودولية غير عربية، وتلك ضريبة دائما ما يدفعها الضعفاء للاقوياء.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش