الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قُبلة امرأة مكسورة!

حلمي الأسمر

الأحد 7 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 2514


-1-
القبل أنواع، أشدها وطأة على النفس قبلة الوداع، ولهذا غنى لها عبد الوهاب: «بلاش تبوسني في عينية البوسة في العينين تفرّق» وأرقها وأجملها على الإطلاق قبلة الأم لوليدها، وربما يأتي بعدها في الجمال والحنان والعرفان، القبلة التي يطبعها الابن الحنون على يدي والدته أو والده، ولم أزل أذكر ذلك التقليد الجميل في بيتنا، حيث كنا كلما استحم أحد الأبناء أو البنات، ندور باحثين عن الوالد والوالد لنطبع قبلاتنا على أيديهما، لنسمع كلمة «نعيما»، وهو تقليد انقرض والله أعلم، حيث صرت من النادر أن ترى مثل تلك القبلات الحميمة، ولفت نظري في بعض المسلسلات التركية أن هذا التقليد لم يزل قائما، وبشكل موسع أكثر، حيث يعمد الشاب الصغير إلى تقبيل يد من هو أكبر منه من المسنين، حتى ولو لم يكن من أقاربه القريبين، وهي عادة جميلة كما أراها، وإن كنت أسمع «تقززا» منها ونأيا من بعض شباب اليوم، اعتزازا بكرامة فارغة، فمن تواضع لله رفعه والتواضع أمام المسنين لا ينتقص من كرامة أحد!
-2-
وبين هذا وذاك ثمة قبل الممثلين» التي يبدو أنها حقيقية، بل هي كذلك، ولكن بلا روح، واذكر حوارا مع الممثل رشدي أباظة قوله أنه لم يكن يرتاح لتقبيل الممثلات خاصة إذا كانت أكلت فولا وبصلا، مع أنه يبدو كان في غاية الانسجام «تمثيلا» وهو يقبل نادية لطفي مثلا، ومن طرائف ما أذكر هنا انتفاض الممثل عادل إمام مرة لدى سؤاله إن كان يسمح لابنته أن تعمل بالتمثيل، فرفض بشدة، كي لا يقبلها احد، وحين سئل عن كثرة تقبيله هو للممثلات بمناسبة وبغير مناسبة قال ان وضعه مختلف، فهو «رجل»!
-3-
ومن قبل الممثلين إلى تلك القبل التي يتبادلها المحبون، فالحديث عنها يطول ولا يصلح هنا، كي لا تقع الجريدة بين يدي من هم دون السن «القانوني» ولا يجوز أن يقرأوا شيئا عن العلاقة الحميمة، مع أن كثيرا منهم في هصر الانفجار المعرفي يعرف عن أدق تفاصيل هذه العلاقة أكثر من أفصح راشد، لكن الحقيقة ما يعنيني بعد هذا اللف والدوران تلك القبلة الجارحة التي تلقيتها من امرأة قبل ايام، فقد شرخت روحي، ولم تفارقني مشاعرها حتى الآن، بل أعقبها بكاء حارق، غزارة دمعه كانت أكثر منها في مجرى الدم من المآقي!
-4-
كنت لم أزل نائما حينما رن جرس الباب، فهرعت إليه لأفتحه، فوجدت امرأة تجر طفلا عليه بعض الملابس التي لا تقي برد الأربعينية القارص، نظرت إلى المرأة مستفسرا، فبادرتني بالقول أنها تريد ملابس قديمة للأطفال، كي تكسو أطفالها وتقيهم برد الشتاء، قالت هذا بنبرة مشبعة بالانكسار كما هو شأن أي سائل، فاجأني السؤال وصمت لبرهة، وتذكرت أن كل من بالبيت من الكبار، فقلت لها: ولكن لا يوجد لدينا أطفال!
لم بفاجئها الجواب، وتمتمت بكلمات كمن يشكرني، ثم استدارت مغادرة بخيبة أمل، وقبل أن أصحو من الموقف، قلت لها أن تنتظر قليلا، ثم دخلت وعدت بمبلغ من النقود، وما أن ناولتها إياه حتى التقطت يدي فجأة وقبلتها، دون أن تترك لي مباغتتها فرصة سحب يدي، ثم غادرت وأنا أشعر بذلك المزيج من المشاعر الشارخة للروح، لكن كان أبرزها القهر والحزن والأسف وما لا أعرف من مشاعر تركتني في حيرة من أمري، وتذكرت تلك المرأة التي طرقت باب البيت ذات يوم غير بعيد سائلة عن طعام لأطفالها، فهاته النسوة لسن متسولات محترفات بالقطع، إنهن يذكرننا بالأيام السوداء التي ستأتي علينا إن بقينا على هذا الحال!
تذكرت وأنا أكفكف دمع القهر، مقولة أبي ذر الغفاري التي لم تثبت نسبتها له ولكنها صحيحة كائنا من كان قائلها: «عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، ألا يخرج على الناس شاهرًا سيفه»!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش