الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ثقافة أخت شلن ..

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الأحد 7 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 1981

بعضهم؛ المال وطنه، وأعتقد بأنهم محقون الى حد ما، فهم لم يعيشوا في أوطانهم ولا بها، ثمة فرق -أقدره بواحدة من التقديرات المعنوية الجائزة في اللغة- بين حرفي الجر «الباء» و «في»..فهم «لم يعيشوا في أوطانهم»: أي أنهم لم يقطنوا فيها إلا ضيوفا أو زوارا سائحين، ربما لا يمكنهم دخولها لأسباب وجيهة، أما معنى «لم يعيشوا بأوطانهم»؛ فأقدره تقديرا آخر: مبني على تأويل (هم لا يعيشون بواسطة أو باستخدام أوطانهم كطريقة للعيش والتكسب والبيع والشراء)..وهذه مسألة فيها جدل كبير في أوطان يعرب،..وأنا ما زلت أتحدث هنا كما تلاحظون بثقافة معان لغوية أعتبرها شخصية لأنني أقدرها تقديرا، وإن كان التقدير مرفوضا من قبل أساتذتنا، عندئذ سيقولون عنه بأنه تقدير مبني على «ثقافة خطيرة»..لعلهم على حق، أقول: أصبحتم اليوم تعرفون شخصا خطيرا على الثقافة العربية، يكتب لكم مقالة يومية في زاوية «ألغام الكلام» في جريدة الدستور.
سأحدثكم عن ثقافتين حقيقيتين بائستين خطيرتين «لعينتين»من هذا النوع، تجثمان على عقلنا الجمعي المتعب، وإحداهما ثقافة نابعة من دهاليز التخلف والتعصب والتقوقع والتشمّع والغباء و»الهبل»، وهي متعلقة بفقدان الإحساس بالرقم، أي الرياضيات وعمليات الحساب البسيطة «كالجمع والطرح والقسمة والضرب»..لعن الله أنباءً توالت عن الضرب وسائر العمليات الخبيثة الأخرى التي تكون حواصلها مزيد من خواء..الناس لا يدركون «حسيا» بعد الأرقام وأثرها في الحياة، ويمكننا أن نعذرهم لو كنا نتحدث عن «المليار» مثلا، ولو قلنا لأحدهم هل تدرك ما معنى مليار دينار؟ وكم تحتاج أن تنفق في اليوم منه لتكمله؟ أو لو اعتبرته مليار ورقة شدة وقمت بفتها بواقع 3 ورقة كل 3 ثوان، فكم ستحتاج من الزمن لتكمل الفتّ على اللعيبة؟!..من يعرف ؟! (* أترك السؤال بلا إجابة مني لتختبروا مهاراتكم وحجم شعوركم بالأرقام الكبيرة ومسموح استخدام الآلة الحاسبة في هواتفكم).
لكن ماذا عن الأرقام (الفراطة) القليلة؟ كالقروش، والشلن وأخوه وأخته، وتلك «البريزة» الحسناء؟!
الأرقام سهلة ومعروفة ويمكن للطفل أن يدرك بعدها وتأثيرها في حياته، لكن بعضهم يشيح النظر والعقل عن مثل هذه الأرقام والـ»شلون»، ويتحدث بحديث «مقيت بغيض آخر»، وهذا هو النوع الآخر من الثقافة الخطيرة الذي أتحدث عنه..
لا أعلم أين تحدث رئيس الحكومة الدكتور هاني الملقي ولفظ مصطلح «بريزة»؟! لأنني في اليومين الماضيين سمعت وقرأت كلاما، يجعلني أعتقد بأن مصطلح البريزة منسوب لرئيس الحكومة، ولم يتلفظ به أحد سواه على الكوكب الأردني، ولم أسمع شيئا من أي أخو أو أخت شلن يؤكد لي بأن رئيس الوزراء قال سندعم كل فرد أردني بـ»بريزة» يعني 10 قروش يوميا لشراء حاجته اليومية من الخبز.
سأعتبر أن قيمة الدعم الموجهة للفرد الواحد من أية عائلة أردنية يقل دخلها الشهري عن 1500 دينارا هو فعلا 10 قروش أو «بريزة»، وتعالوا نحسبها، دون تلك الثقافة اللزجة الدبقة التي نسمعها عبر أثير بعض الإذاعات، أو نقرأ بعضها على صفحات التواصل المختلفة، وتعالو «نفت» خبز وليس «شدّة»، لعلنا نشبع، أو نقنع، ولا تنطلي علينا الضلالات:
إسأل نفسك يا محترم: كم تأكل رغيف خبز يوميا؟ وأسأل أمك: ماما؛ كم كيلو خبز نستهلك يوميا، ثم استخدم أصابعك وقم بعد أفراد عائلتك، واضرب العدد ب»بريزة» أي 10، سينتج لديك رقم يزيد عن ثمن الخبز الذي تدفعوه للمخبز يوميا، وأنا أتحدث عن الخبز بسعره القديم وسعره المتوقع الجديد.. أنت قد تستهلك أكثر من 3 أرغفة يوميا، وإن كنت تفعل فمشكلتك ربما تكون صحية..المهم: إن أغلب الذين ينتقدون الشلن وأخوه وأخته والبريزة، ويعتبرونها ليست مالا، وأنها حين يتم انفاقها على ملايين الناس يوميا لن تساوي مئات الملايين من الدنانير سنويا.. علما أن الغالبية من هؤلاء لا يأكل أحدهم رغيف خبز واحدا يوميا ..
كل العائلات التي أعرفها، وهي عائلات فقيرة بالمناسبة وعائلتي من ضمنهم، كلهم يمكنهم شراء الخبز من قيمة الدعم المقترحة دون أن ينفقوا من جيوبهم فلسا واحدا، بل إن بعض العائلات فيها 9 أفراد، أي أنهم سوف يقبضون «9 برايز يوميا»، ومعدل شرائهم من الخبز الصغير «الكيلو بربع دينار» يبلغ 2 كيلو غرام، منها نصف كيلو يوميا الى «الحاوية»، وحين يتم رفع سعر كيلو الخبز من هذا النوع الى 40 قرشا، فهم وإن استمروا على هذه الطريقة من الاستهلاك، واتلاف نصف كيلو، سيحتاجون 80 قرشا يوميا، ويوفروا «بريزة»، فهي زيادة، وهي تعادل 3 دنانير في الشهر، قد تسدد نصف قيمة استهلاكهم من المياه شهريا، مع ملاحظة أن هذه العائلة فقيرة، وليست من الدرجة الوسطى ولا الثرية..
وأذكر هنا بما كنت أقوله سابقا حول «أين يذهب دعم الخبز ؟»، هل عرفتم الآن أين كان يذهب ومن هم المستفيدون منه؟ كل هذه النقود كانت تذهب الى التجار، وما زال جزء منها يعرف طريقه الى «الحاويات»، ولن يتوقف عن الذهاب الى هناك، ما دمنا نتمتع بمثل تلك الثقافات الخطيرة، التي تجعلنا مجرد أغبياء تقودنا ضلالات إعلامية تافهة ويشكل رأينا «أخوات وأخوان شلن»، لم يتحدثوا يوما بمنطق أو يدركوا معنى العيش في وطن أو باستخدام الوطن كأداة تكسب..
الخطأ القاتل والتقصير يكمن في ترك مثل هذا الإعلام يشكل مثل هذه الثقافات الخطيرة، ويعبث في هذه العقول التي تتضاءل وتقترب من الخواء يوما بعد يوم، لننشغل عندئذ بشرح لغوي جديد لمعنيين خطيرين «خواء بالإعلام» أو «خواء في الإعلام».
هل شعرتم بأثر الرقم، أو بأنها فعلا «ثقافة أخت شلن»؟!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش