الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كل سبت ذكريات معلم ( 3 - 8 )

محمد داودية

السبت 13 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 428

 كنت مدرسا وطبيبا وقناصا وطباخا بـ 20 دينارا !

 

ذكــريــات مـعـلـــم (3 - 8 )   محمد داودية

 

كان ثلج الشوبك الكثيف مفاجئا وصاعقا بالنسبة لي، أنا الذي ولدت في بادية الشام في الاجفور- الرويشد الان- على الحدود العراقية الأردنية، وعشت معظم سنيّ عمري في المفرق ومعان، لم تكن لي خبرة في التعامل مع الثلج، فأنا ابن الغبار والسراب والهجير والمدى البني الصحراوي الاجرد. وقد أوشكت على الهلاك والموت تجمدا أنا وزميلي المعلم جليل الهلسا في الطريق من مدرسة مجرا إلى المزار الجنوبي عام 1969، ولم ينقذنا إلا الطالب محمد جميل القطاونة الذي أصبح محاميا بارزا في المزار.
تواصَل الهطلُ متقطعا لمدة شهرين تقريبا، كان أحيانا على شكل «جواعد» واحيانا أخرى على شكل بَرَد. كنت في عزلة عن العالم ما خلا الطلاب؛ الأطفال العشرة، الذين كانوا يقضون معظم نهارهم في غرفتي، يدرسون وينجزون الواجبات المدرسية ويشربون الحليب الساخن المضاعف التحلية، عندما يريدون، ويتناولون المربى «التطلي» ويأنسون الى صوبة البواري، التي تجعل وجوههم حمراء كحبات الشمندر، ويستمعون معي الى الإذاعات: هنا عمان. وصوت العرب بكل «خرط» وهياج احمد سعيد اشهر مذيعي الحقبة الناصرية صاحب عبارة «تجوّع يا سمك» التي توعد فيها اليهود بإلقائهم في البحر وهو التوعد الذي صدقه الفلسطينيون ونحن معهم. وهنا لندن بدقات ساعة «بق بن» الشهيرة التي تميزها. والاستماع الساعة الرابعة عصرا الى أغاني أم كلثوم في الإذاعة إلاسرائيلية.
حاولت أن أطهو لطلابي و لي. وضعت الأرز والفاصوليا البيضاء والبازيلاء والحمص الناشف والعدس الحب، كلها في الطنجرة الكبيرة وسكبت عليها ماء ورششت عليها الملح وذريرات الفلفل الأسود، وتركتها نحو ساعة على نار البريموس- بابور الكاز. صُدمنا أنا وطلابي عندما سكبنا مزيج الحبوب المطبوخة في صينية كبيرة لنتغدى، لم ينضج من خليط الحبوب إلا الأرز؛ فقد ظلت باقي أصناف الحبوب على صلابتها، ولاحقا عندما أخبرت والدتي بما جرى قالت لي انه كان يجب أن انقع الحبوب بالماء عدة ساعات قبل طبخها، المهم أنني عوضت الأطفال عن خيبتهم تلك بما احبّوه كثيرا. فتحت عدة علب سردين وتونا وقليت عددا من البيضات البلديات بالسمن البلدي، وتناولنا غداء شهيا غمّسناه بخبز الشراك المعجون من القمح البلدي.
لم انس العجوز بالطبع فقد أرسلت لها الغداء مع الطلاب: علبة تونا وعلبة سردين الى مقرّها الشتوي الكائن في 10 «سنو ستريت» في الجادة الوسطى من بير أبو العلق.
مر شتاء سنة 1966 قاسيا جدا جدا عليّ. كنت رجلا في ال، 19، وكنت في غربتي الأولى بعيدا اكثر من 300 كيلومتر عن أهلي المقيمين في المفرق، وبعيدا عن الطريق العام الذي يخترق بير الدباغات القرية المجاورة. لم يكن في القرية معي إلا الطلاب وعجوزهم العمشاء كليلة النظر نادرة الكلام كثيرة النوم.
أخذت أخطط  لمغادرة «القماط» الحديدي الذي أنا فيه والاتصال بالمعلمين في القرى المجاورة، اغتنمت صحو السماء وترافقت مع قروي عابر سبيل ومشينا نحو 5 كيلومترات ظهر يوم خميس إلى بير الدباغات، هناك التقيت بالمعلم محمد الملكاوي الذي كان معلما منفردا هو الآخر.
وفتح الله عليّ
استضافني الملكاوي وأمضينا الليل في الثرثرة التي كان كلانا محروما منها، وفي الصباح توجهنا الى الدكان القريبة التي تقع على الطريق الواصل بين الشوبك ووادي موسى. كان في الدكان هاتف عمومي، دعاني التاجر عوض إلى الاتصال منه مع الأهل، شكرت كرمه لكنني تذكرت انه لا يوجد هاتف في كل حارة المعانية التي نسكن فيها في المفرق. كان عوض يبيع الهيشي والسكر والأرز والشاي والسجائر والكبريت والراحة «الحلقوم» وقطع الحلوى الشعبية « الكعكبان- التشعتشبان» والزبيب والتين المجفف «القطين» والطحين والكاز ومعلبات السردين والتونا والبولابيف.
أصبحت امضي «الويك إند» في ركوب الخيل من قريتي بير أبو العلق الى وادي موسى والبتراء حيث أنام ليلة في فندق شعبي أو امضي «الويك إند» في ضيافة المعلم محمد الملكاوي في بير الدباغات كلما سمح لي الطقس بالحركة، كنت أتحرك بعد ظهر يوم الخميس وأنام في الدباغات ليلتين، وأتحرك عائدا إلى طلابي ومدرستي صباح يوم السبت، فامشي المسافة الفاصلة بين المدرستين والندى يبلل رموش عينيّ. اصعد المرتفعات واهبط المنحدرات، في الطريق الترابي الواصل بين القريتين متحزّما بمسدسي البيرتا، الذي استبدلته لاحقا ببندقية خرطوش، اصطدت فيها حجلا بالعشرات، كنت ارسله الى العجوز لتنتف ريشه وتنظفه وتطهوه لها وللطلاب. او كنا نعكف أنا وزميلي الملكاوي على نتف ريشه وتنظيفه في الماء المغلي، ثم نشويه على حطب البلوط واللزاب ونأكل أشهى «باربكيو» تناولته في حياتي.
تقع بئر الدباغات وسط غابة يسميها القرويون «الهيشي» تعودنا أن ندخلها بحثا عن الشنانير، فنعثر أحيانا على أرنب، ارفض أن أطلق النار عليه؛ لأنني لا أطيق رؤية الأرنب مسلوخا، ولم أتمكن من أكل لحمه في حياتي؛ اقترحت علي الملكاوي ان نسكن معا في بير الدباغات أو في بير أبو العلق. فقال مازحا: «الدباغات أرقى!!» وأضاف: الدباغات تقع على الطريق العمومي وفيها دكان وهاتف! فيها حضارة!.
كان الملكاوي مصيبا، ولو كان العكس لوافقته من اجل ان اخرج من عزلتي.
حملت «اليطق» المكون من سرير وفرشة ولحاف على بغل دبّره لي عوض. سكنت في الدباغات ثلاثة شهور، إلى أن جاءت العطلة الصيفية.
كنت تحت رقابة مشددة من ضميري، امشي نحو 10 كيلومترات بين القريتين يوميا، إلى طلابي ومدرستي في أجمل وأكمل وأمتع رياضة يمكن أن يمارسها إنسان. ترتب على ذلك المراثون اليومي أنني تركت التدخين!
نعم. كنت أتنفس رحيقا وربيعا وطبيعة تأسر الألباب، كنت أمر في طريقي على أفعى متكورة، لم يتحرك بعد دمُها البارد، فلا أدوسها ولا اقتلها. وكنت المح «الحصيني» فأوشك أن ادعوه إلى الغداء. الِفت المكانَ وما فيه من بشر وشجر وطير وزواحف وحيوانات. وحصل أن صادفت قرويا، لعله عم طه الهباهبة أو باسل الرفايعة او رمضان الرواشدة، يمشي بتثاقل.

 سلّمت وسألته: ما بك يا عم؟
شكا لي من منطقة الكُلى، وقال انه لا ينام الليل أحيانا ولا ينام كل من في البيت من صراخه وانينه، ولأنه كان متعذرا أن اصف له «البيرة» علاجا، فقد وصفت له وصفة كان اخوالي يتداولونها: ماء الشعير المغلي، طلبت منه أن يشربه على الريق وقبل النوم يوميا. وأُقسِمُ بالله أن الرجل هرع إلي عندما رآني بعد نحو شهر وهو يقول:
الله يبيض وجهك يا الطفيلي. طِبْت، طِبت من دواك. طيبتني مية الشعير!! قول لي امانة الله، كيف اجازيك يا استاز؟!. قلت له متخابثا: جزاي انك تدير بالك على راعية البيت.    
لا يتمكن المرء من وصف مناخ الشوبك الخلاب وخيراتها، دون أن يُخلّ بأمانته، فقد حملت تفاحا وسفرجلا من الشوبك إلى الأهل في المفرق وأهديت شيئا منه إلى «المعلم» الكبير محمد عبد القادر سكّر، الذي اندهش من طعم التفاح ونكهته ورائحته. وقال لي: يمكنك يا محمد أن تحمل هذا التفاح هدية إلى اللبنانيين أهل التفاح.
 أصبحنا نتزاور ونلتقي عندي في «بيري» أو عند محمد الملكاوي في «بيره» أو عند مأمور العيادة عدنان خليل خطاب في بير خداد. أو عند محمد موسى النعانعة معلم مدرسة الشمّاخ المنفرد. أو عند أمين الصغيّر معلم مدرسة «حوالة» المنفرد. نتبادل الكتب والآراء السياسية، نتحدث عن عبد الناصر والاتحاد السوفياتي وأميركا وإسرائيل. نعقد مقارنة بين الطائرات المقاتلة الميغ والسوخوي السوفياتية والطائرات الامريكية الفانتوم و بي 52.
والغريب أن المرأة بكل جلالها وبهائها وكمالها، لم تتخلل أحاديثنا!!. رغم أننا كنا مجتمعا من العزابية الشباب، فهي بالنسبة إلينا، مخلوقة فضائية موجودة فقط في القصائد والروايات، يهبط القلب ويخفق بشدة لرؤيتها في الدورات التربوية أو لدى اللقاء الشهري لاستلام الراتب في البنك بمعان أو في سرفيس معان-عمان آخر كل شهر.
كنت كلما صادفت معلمةً اتزعزع واضطرب وامضي نحوها لاتحدث معها حديثا بريئا عفيفا؛ فكان صاحبي عدنان خطاب ينهاني ويحاول ان يثنيني ويسميني «النسونجي» ظلما وانا أقول له ان نهاري يكتمل بكلمات عفيفات سريعات مع انسة تبعث الانس في العمر. واذكر له حينذاك بيتي قيس بن الملوح وانا أقول له العذري معذور:

كأنّ القلبَ ساعةَ قيلَ يُغدى
بليلى العامرية أو يُراحُ.
قَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فباتت
تُجاذِبُهُ و قد عَلِقَ الجناحُ.
 سكنت في «حاضرة» بير الدباغات.
تمكنت أخيرا من كسر حاجز العزلة وحصار الثلوج ولعنة «المعلم المنفرد» الذي كنا نسميه المعلم المنقرد. وبالقدر الذي كنت فيه سعيدا للخروج من القفص، والعودة الى المجتمع، فقد لمحت الحزن على وجوه طلابي الذين خذلتهم بمغادرة حوزتهم.
أبصرت النور طفلا «منفردا» في حالة حصار. فقد حدثتني أمي أنها أصيبت بحمّى النِّفاس عندما وضعتني. ولأنها شارفت على الهلاك، فقد حملتها سيارة شركة نفط العراق، حيث يعمل الوالد، من الاجفور إلى المستشفى الطلياني بعمان الذي انشيء عام 1927 ومكثَت نحو ثلاثة أسابيع بين الحياة والموت. كانت ترافقها جدتي فضية حرارة أم إبراهيم، التي رفضت توسلات امي ان يحملنني معهما إلى عمان. وعندما أصرت أمي على اصطحاب «بِكْرِها»، هددتها جدتي الصارمة ذات الشخصية القيادية الطاغية، التي تقول وتنفذ، بأنها ستقذفني من نافذة السيارة إن هي حملتني معها.
 وهكذا، بحثت خالاتي حليمة وهدية وسامية، عن أمهات أنجبن حديثا لإرضاعي، فوجدن ثلاث أمهات، الأم الأولى هي الحويطية سالمة مسلّم العواسا النجادات أم العقباوي عيد غنام الفيومي، التي شاركتُ طفلَها عيد حليبَه، فوهبني الله أما رؤوما وأخا غاليا ما أزال ارتبط بازهى الروابط مع أسرته ومع نجله فارس عيد غنام الفيومي الذي أزوره في العقبة كلما تيسر.
والأم الثانية بدوية أيضا من المساعيد. لم أتمكن من العثور عليها رغم محاولاتي المضنية؛ لكن القدر ساقني الى أبنائها اخي في الرضاعة الشيخ علي رشيد الشبّار المساعيد. وتلك قصة قدرية عجيبة أخرى كان للصديق خالد البريك النائب الأسبق الدور الرئيس فيها.
 أما الأم الثالثة فهي كردية عراقية من كركوك، كانت زوجة مراقب الخط الناقل للنفط من كركوك إلى حيفا، وقد انقطعت أخبارها حين انتقل زوجها للعمل في محطة ال «اتش ثري».
 كل ذلك العناء والشقاء كان ب 20 دينارا و18 قرشا هو راتبي الشهري!! الذي كنت أوزعه على النحو التالي: 6 دنانير لمصاريف أهلي. وديناران للوالدة، ودينار قسط شهري لبنطلوني الهيلد الإنجليزي، والباقي نفقات شراء الكتب والأكل والشرب والكساء والغذاء، والمواصلات. ومن الغرائب أنني ما مرضت وما تناولت حبة دواء طيلة خدمتي في الشوبك التي امتدت ثلاث سنوات في بير أبو العلق ثم بير الدباغات ثم الشمّاخ.
معلمو الثقافة العسكرية الافذاذ والمعلمون الأردنيون، هم روح الأردن بلا منازع، توغلوا في كل بقاع الوطن واقتحموا أكثر الحواجز شدة وبأسا، ما تركوا بقعة لم يكافحوا من اجل إنارتها وبث البصيرة والإشعاع والحروف فيها.
وإذا كان هذا العناء هو ما واجهه المعلمون آنذاك، فماذا نحدث عن بناتنا المعلمات اللواتي اجترحن المآثر وعشن حياة لا تدانى في شظفها وقسوتها. واذكر أن دولتنا أدركت ان العمل في الجنوب، الذي كان منفى السياسيين الأردنيين في حقبة مبكرة، استحق علاوة للمعلمات كانت تسمى «علاوة الجنوب» ومقدارها 5 دنانير. أي نحو 25% من الراتب، أرجو أنها ما تزال تصرف لمعلماتنا في السلع وبصيرا والقادسية والزبيرية والشماخ وبير مذكور وبير أبو دنة ودير الجن ودير الكهف والباعج والكوم والدفيانة وصبحا وصبحية وسبع صير والدقمسة وعين والمعمرية وفاع وغيرها من القرى التي تمتاز بحدة طقسها وقسوة ظروف العيش فيها.
لقد وجّه ملكنا عبد الله الثاني يرعاه الله لتدفئة مدارسنا التي كانت صفوفها «فريزرات» لا يمكن لمخلوق سوى الاسكيمو البقاء في صقيعها لدقائق، فكيف هو حال الطلاب الذين يمكثون فيها 5 ساعات يوميا. هذا هو الحال الذي دفعني قبل 50 سنة إلى نقل مقاعد التدريس «الرحلايات» من الغرفة مكسورة الزجاج في قرية بير أبو العلق إلى غرفتي المزودة بالصوبة لأعطيهم الدروس فيها. كان ذلك رحمة بالطلاب ورحمة بي أيضا.

يتبع الحلقة 4 السبت المقبل

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش