الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الكلمة والنيران الصديقة!

تم نشره في الأربعاء 17 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

 بشار جرار – واشنطن

حكايتنا مع الكلمة – محكية أكانت أم مكتوبة – حكاية لست أدري إن كنا الوحيدين بين الأمم المبتلين بها. أسارع إلى الاستدراك هنا وأقول على سبيل تطييب الخاطر، ما عنيت هو ابتلاء نعمة لا نقمة. في النص الديني المقدس، نقف بجلال أمام «اقرأ» أول التنزيل القرآنيّ و «في البدء كانت الكلمة» أول التبشير بحسب إنجيل يوحنا في العهد الجديد. ما يجمع هتين الرسالتين الخالدتين هو روح الحث على المعرفة، معرفة الحقيقة التي بها وحدها يتحقق الخلاص، لكن واقع الحال منذ تورطنا في معمعة « الغزو والاستعمار» أصبحنا كأمة ومن بعد كشعوب وطوائف وشظايا جهويّة، أسرى ما نقول وضحايا ما نقول ولا نفعل. أصبحنا كما يصفنا المحب قبل العدو مجرد ظاهرة صوتية وحالة انفعالية. وحتى لا نظلم أنفسنا نستذكر في القصص القرآني الدعاء الموسوي الخالد «واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي» مما يؤشر إلى أن القضية قضية ضاربة بالقدم في أعماق نفسيتنا كأبناء هذه الأرض ، قضية استدعت طلب العون الإلهي على لسان كليم الله موسى.
تشاء الأقدار أن يصبح التشكيل المعرفي للإنسان في زماننا مرهونا بحرفية أكثر من لاعب معظمهم غير محايدين ومن بينهم معادون أو عدائيون. ما عادت الكلمة أمانة تقتصر على الأم المتحدثة الأولى والمؤثرة الأولى في تكوين معرفة وليدها، بل دخلت المربية المنزلية التي لا تعدو عن كونها وللأسف مجرد مقدمة خدمات تأنف منها الأم أو لا تملك الرغبة أو الوقت لتقديمها لفلذة كبدها. تطور الأمر أكثر ولسوء الحظ على نحو بياني مطرد في انحداره، إلى حد الاعتماد على ما يقدمه إعلام الحكومة الوطنية من معرفة، ثم جاء الغزو الفضائي فصار أبناؤنا فريسة لما يقدمه أولئك كل حسب أجندته حتى جاءت الطامة الكبرى في الانفجار المعرفي الكبير المتمثل بطوفان وسائل التواصل الاجتماعي.
 فماذا نحن فاعلون؟ نحن الآباء أولا ومن ثم حضرات المسؤولين المدنيين والعسكريين (الأمنيين). هل ندرك حقا ما نحن فيه من استهداف؟ خلال إعدادي رسالة الماجستير صادفت بحثا قيما حول دور الدعاية في التحضير للأحداث الكبيرة وقد هالني ما قرأت. في ذلك الحين – مطلع التسعينيات من القرن الماضي – كانت الفضائيات في بداياتها ولم تكن هناك وسائل للتواصل الاجتماعي بعد – لكن مؤسسة دعائية متنفذة نجحت حينها في شيطنة شخصية إقليمية تمهيدا للقضاء عليها وعلى أجندتها. بعد عقود، تكرر السيناريو عينه ولكن على نحو أكثر دراماتيكية مع شخصيات أخرى. لقد تطورت ماكينات ومصنعية الدعاية والدعاية المضادة من الكلمة المطبوعة فالمذاعة إلى الصورة الشمسية فالفيديو، ولم يسلم أي منها من المؤثرات الرقمية التي تحيل الأبيض أسود والأسود أبيض، حتى الأرشيف حركوه ولوّنوه لفرض رواية أو رؤية محددة يريدها صاحب القرار أو مالك رأس مال تلك المؤسسة الإعلامية ومن تعمل لصالحه.
أول درس قاس تم تلقينه لمستهلك ذلك الكم الهائل من المعلومات في عالمنا اليوم هو استحالة عدم التأثر فلا سبيل إلى إقامة أي نوع مما يعرف الكترونيا «بجدار النار». الدرس الثاني هو إتاحة خيار الاشتباك، وتلك فرصة لا ترحم الضعيف والجاهل في أدوات هذا الميدان البالغ الحساسية. أما الدرس الثالث والأخطر، فهو وجوب التحصين والمرونة والتطور إن أردنا البقاء.
البقاء للأصلح ما زالت مقولة سارية المفعول في عالمنا لكن بأدوات مختلفة. صحيح أن المعرفة كمحتوى هي الأساس لكن في عالم الطوفان الالكتروني حتى المعرفة مرهونة بقواعد اللعبة ذاتها، لعبة التسويق. كيف يتم تقديم هذه المعرفة هو ما سيحدد انتشارها ورواجها وسعرها بالسوق. 
ولعل أكثر ما أسفرت عنه مخرجات الإعلام الجديد هو سمتان: الاعتماد على قصر مدى الانتباه والذاكرة من جهة، والميل لما يثير الغرائز من جهة أخرى. وأبدأ بهذه الأخيرة وأقول إن الاعتبارات الأخلاقية تبقى هي المعيار الأكثر جدوى ، فالإثارة فقدت بريقها المبهر وقد بدأ المتلقي بالحنين إلى التقليدي الموثوق والعودة التدريجية إلى ما ألفه في مرحلة ما قبل الطوفان الإعلامي المعرفي، وتلك مسألة مرتبطة بالفئة العمرية ، حيث ثمة جيل لم يعرف سوى الإعلام الجديد. أما قصة الانتباه والذاكرة فتلك أشبه ما تكون بالعلاقة الجيولوجية بين فحمة النرجيلة وجوهرة ثمينة. الفارق هو الضغط الهائل المتشكل عبر ملايين السنين، ويبدو أن المعرفة المتراكمة عبر آلاف السنين مكنت إنسان اليوم من ضغط الفكرة لإعادتها لنشأتها الأولى، الكلمة بمعنى «اللوغس» المنطق.
من هذا المنطلق، إننا في أمسّ الحاجة إلى إعادة النظر في خطابنا، فنتساءل إلى متى الازدواجية بين العام والخاص، العلني والسري، هذا إن أبقى عالم اليوم مكانا للسرية والخصوصية. في مقال آخر سأتناول بعض مقولاتنا التي أرى أنها إما منتهية الصلاحية أو مسيئة مقابل التأكيد على ضرورة ترسيخ ومأسسة مقولات أخرى ما زالت خالدة لكنها أسيرة الأحبال الصوتية. على سبيل المثال: هل ما زالت مقولة «ناقل الكفر ليس بكافر» مقبولة في ظل اتضاح خطورة الإشاعة عند نشر أو إعادة نشر الإشاعة؟ بالمقابل هل نعي حقا المفردات التالية في خطابنا الوطني ونعطيها حقها من العمل المؤسسي: المصلحة الوطنية، أولويات الإنفاق، ظروف استثنائية، مرحلة دقيقة، مفترق طرق، تقرير مصير.. إلخ.
نبدأ متأخرا خيرا من ألا نبدأ أبدا، آن الأوان أن نردّ الاعتبار لكلامنا، فما كنا نتندّر عليه بالأمس بات اليوم ذكرى نترحم على أيامها. ما كان «حكي جرايد» أصبح حكايات تملأ فضاءات منصات التواصل الاجتماعي. نعم، الكلمة ما زالت طلقة.. أفلا نحرص على ألا يفلت عيارها فنحسن النيشان حتى لا يقع ضحايا بنيران صديقة؟!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش