الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هزيمـة حزيـران واحتلال القـدس والتعـزيـة بفـراس العجلونـي

محمد داودية

السبت 20 كانون الثاني / يناير 2018.
عدد المقالات: 697
ذكــريــات مـعـلـــم (4 - 8 )

- ملاحظة: تطمح هذه السلسلة من الذكريات فيما تطمح إليه، التي تبرز عناء المعلم الأردني وكفاحه وحياته القاسية قبل 50 عامًا، إلى إنصاف المعلم الأردني والمعلمة بشكل خاص وتعزيز الصورة الإيجابية للمعلم لدى الرأي العام ولدى الطلاب، كما تطمح إلى تبيان الظروف المتوحشة التي تعلم فيها طلاب تلك الأيام.


تتميز الشوبك بالعدل والتوازن والإنصاف، فهي تعوّض شقاءَ شتائها القارس الرهيب، بربيع فوّاح باذخ خلّاب، لا يضاهى، يكشف عن رحابة الشوبك وفرادتها وحنانها، تغدق عليك الشوبك ضوعَها وعبقَها وبهجةَ خضرتها الزاهية، فتنسيك كل معاناة الشتاء وظلمته وكآبته.
أمضيت فيها أول وأجمل ربيع حقيقي مرّ عليّ في حياتي، كنت في التاسعة عشرة من العمر الذي تعتبره الأمهات، في كل العالم، سن طفولة وحضانة ورعاية. لم تر عيناي ربيعا كهذا، حيث يطاول العشب البري قامتي ويوشك «سبل» القمح، الجانح إلى الزرقة، أن يصبح موجا وان يصبح حفيفه موسيقى رائقة تتغلغل في الروح.
أغرقنا أهالي الطلاب بالحليب الطازج وبالبيض وبأكوام الزبدة وبالفريكة وبالعسل البري الذي تقطعه السكين بصعوبة. قال زميلي المعلم محمد الملكاوي: يا صاحبي لا يستجيب الأهالي لمناشداتنا أن يتوقفوا عن إحضار الزبدة التي تحتاج إلى ثلاجة نحفظها فيها، وأضاف: سنغلي الزبدة ونحولها إلى سمن بلدي نحمله معنا حين سفرنا آخر الشهر
 
عطلتي الصيفية الاولى
حلّت عطلتي الصيفية الأولى، فغادرت «قريتي» بير أبو العلق متثاقلا، قلت لنفسي: هاهنا المتعة الحقيقية والالتحام بالطبيعة وبالمكان. وهاهنا الصيد والسمر والسهر إلى مطلع الفجر والنوم إلى الساعة العاشرة صباحا.
بعد أيام قليلة من وصولي إلى المفرق انهالت قذائف طائرات الفوتور ومقاتلات الميراج الإسرائيلية على قاعدتها الجوية. إنها الحرب التي انتظرناها طويلا ونتطلع إلى كسبها خلال يوم او يومين لنصيّف على شواطئ حيفا ويافا وتل ابيب، كما وعدنا احمد سعيد في «زعبراته» من «صوت العرب».
انتهى اليوم الأول، الخامس من حزيران سنة 1967، والأنباء في ذروة التضارب، العرب يعلنون النصر والعدو يعلن النصر. وانا قلق على أخي علي وعلى خالي عبد الحليم اللذين يخدمان في قواتنا المسلحة الأول في رام الله والثاني في جنين الضفة الغربية. وسط كل ذلك شاعت أخبار تدمير طائرات العرب الحربية كأنها قطعان من الأغنام على الأرض. وسرعان ما عم الحزن مدينة المفرق وفتحت بيوت العزاء على استشهاد الطيار الجسور الوسيم الرائد فراس العجلوني الذي كان مألوفا بشدة لأهلها.
كان شباب المفرق يتجمعون بالعشرات يتناقشون ويتبادلون الاتهامات عن خذلان الرجعية العربية. وعن أكذوبة صواريخ احمد سعيد «الظافر والقاهر». وعن تدخل الاتحاد السوفياتي الذي لم يتحقق، مقابل الجسر الجوي العسكري الأمريكي للجيش الإسرائيلي.
كنا نظل في الشارع، بعضنا يبكي وبعضنا يعلن عن وجوب التطوع وآخرون يحتسون زجاجات البيرة ودائما سرحان ذيب النمري يمسك بالراديو يوجه مؤشره على صوت العرب مرة وعلى عمّان مرة وعلى البي بي سي مرة ثالثة وعلى إذاعة دمشق مرة رابعة ويظل يرفض أن يفتح على إذاعة إسرائيل وسط احتجاج البعض على حرماننا من مصدر يحمل معلومات مغايرة. وكان يردد جملته الشهيرة: انطموا ولكم، مش ناقصنا سمة بدن.
سقط العرب وانتصرت إسرائيل، سقطت الضفة الغربية وسقطت الهضبة السورية -الجولان- وسقطت سيناء. وسقطت القدس. مادت بنا الأرض وضاقت وأصابنا عماء وذهول وإحباط ومرارة، لا تزال تلف أبناء جيلي إلى اليوم، كان جرحنا غائرا داميا، فقد تهيأنا لتحرير ما احتل من بلادنا فلسطين، فإذا بإسرائيل تهزمنا في حرب خاطفة استمرت ستة أيام فقط، وفي واقع الحال، وكما بينت الوثائق، انكسر العرب من اليوم الأول الذي سيطرت فيه طائرات سلاح الجو الإسرائيلي على الأجواء العربية بالمطلق، فقد تمكن هذا السلاح من تدمير 400 طائرة عربية، 340 طائرة منها دمرها وهي جاثمة على الأرض مقابل تدمير 19 طائرة إسرائيلية فقط.
واحتار منظرو الهزيمة في تسمية الكارثة: أهي هزيمة أم نكسة أم نكبة!
انتحر - أو نُحر- وزير الحربية وقائد الجيش المصري المشير عبد الحكيم عامر الذي «نُطِّطَ» عام 1953 من رتبة رائد إلى رتبة لواء، متخطيا ثلاث رتب، ليتسلم قيادة الجيش المصري!!!
وتنحى احمد الشقيري زعيم منظمة التحرير الفلسطينية.
وتنحى الرئيس المصري جمال عبد الناصر معلنًا تحمل المسؤولية عن الهزيمة الصاعقة فخرجت جماهير مصر والأمة العربية إلى الشوارع بالملايين رافضة الهزيمة والاستسلام  وهي تهدر:» حنحارب حنحارب»، رادة الروح إلى قياداتها التي سارعت إلى عقد قمة الخرطوم ذات اللاءات الثلاثة: لا صلح لا اعتراف لا تفاوض.
 
بروز حركة فتح
كانت تلوح في الأفق رايات جذابة فاتنة جديدة، هي رايات «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» التي مختصرها هو «ح.ت.ف» أي «حتف» والتي تم قلبُ حروفها لتصبح «فتح»، مستلهمة حركات التحرر الوطني والمقاومة الشعبية ضد الاستعمار، في الصين وكوبا وفيتنام وأفريقيا وأمريكا اللاتينية واسيا التي ألهمت الشعوب.
كانت ميول مجموعة مثقفي المفرق آنذاك تتوزع بين الأحزاب القومية واليسار. فقد تسلمت أول منشور لحزب البعث العربي الاشتراكي من سميح فرحان فريح النمري وكان المنشور مروسًا بعبارة خلابة هي: «امة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة». وامتلأت شوارع المفرق بمنشورات الحزب الشيوعي وحزب التحرير الإسلامي وحزب البعث وحركة القوميين العرب وجماعة الإخوان المسلمين.
فقد جيلي الثقة بخطاب مذيع صوت العرب احمد سعيد الذي اطلق عليه محمود إبراهيم كساب لقب «غوبلز». وفقدنا الثقة بزعامة جمال عبد الناصر الذي «خَفَشَ» وأصبح اقل هديرا وتهديدا ووعيدا. ولم نعد نستمع لإذاعة صوت العرب، وكنا نقرا مقالة محمد حسنين هيكل بعيون الريبة والشك، كانت أصوات مثقفي اليسار يرتفع إيقاعها وهاهم منارات المرحلة: فؤاد زكريا واحمد زكي وسهيل إدريس وصادق جلال العظم وغسان كنفاني وحسين مروّة وصلاح عيسى واحمد بهاء الدين ولطفي الخولي وأمل دنقل ورفعت السعيد وعبد الرحمن بدوي وفتحي غانم واحمد فؤاد نجم. وهاهم شعراء المقاومة وأدباؤها يبرزون من الأرض المحتلة: محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد وإميل حبيبي، يمدوننا بدفقة عزم في التوقيت الحاسم الضروري. لقد شكلت الثقافة - كما ظلت دائمًا- رافعة الأمة ومصابيحها في الظروف الحالكة.
 
... أضعت فتاتي
عدت إذن إلى أهلي في المفرق، بحثت عن فتاتي فوجدتها قد رحلت إلى الزرقاء، ذهبت إلى الزرقاء وبحثت دون جدوى عن صبية في أول التفتح وفي أول الخفر. كانت حين تلامس يدُها يدي، تضرب جسميَ صاعقةٌ ويرجّني زلزال. كانت طالبة الثاني الثانوي في عطلتها الصيفية هي الأخرى. أصابتني فجيعة، انتظرتُ فتاتي، ما يئست من توقعي أن تبادر وأن تعود إلى «مكاننا» الذي يقع خلف منزلينا المتجاورين في حي المعانية، غرب سكة الحديد، كتبت لها رسالة تطفح بالأمل وبالإصرار:
لم تأتِ لموعدها الأول،
لم تأتِ لموعدها الثاني،
لم تأتِ لموعدها العاشر!
كنت أمارس فعل الكتابة من خلال رسائل حب عذري طويلة مثقلة بالعواطف والهوى والعذوبة، تهطل منها الرقّة والوجد والصبابة، يتخللها أحيانا حديث في السياسة.
 كانت الحياة السياسية في المفرق في أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات، ناضجة فوارة حيوية، وكانت الفتيات مشاركات في توزيع المنشورات والمظاهرات وحمل اليافطات والهتافات. وذات يوم وجهت لنا طالبات ثانوية المفرق رسالة يدعُننا فيها إلى التظاهر معًا في ذكرى نكبة فلسطين، وختمن رسالتهن الحماسية بكلمات خالدة: «نحن نساند بعضنا بعضًا. نحن حفيدات خولة بنت الأزور، شقيقات ضرار. غدًا في ساحات الوغى والقتال في فلسطين، منكم الجرحى ومنا الممرضات».
نشأنا معًا، وعندما أصبحتُ في الصف الأول الثانوي، تباهت أمام صديقاتها وقالت: أنا ما بحب إعدادي، أنا بحب ثانوي! وعندما أصبحتُ معلمًا، مسّها الزهوُ والفرح وراودتها الأحلام الوردية الزاهية الجميلة وكانت الخيول البيضاء تركض خببا في عالمها، ورهن إشارتها، هكذا كتبت لي في عدة رسائل وجدتها في المكان السري المخصص لبوحنا.
 
وداع كالعزاء
انقضت العطلة الصيفية سريعًا، عدت إلى الشوبك، تقرر نقلي معلمًا منفردًا إلى مدرسة بير الدباغات لأحلّ محل زميلي المعلم محمد الملكاوي الذي نُقل هو الآخر إلى محافظة اربد. ذهبت إلى بير أبو العلق مودعًا طلابي والعجوز وأهالي القرية. كان يوما حزينا كالعزاء، يوما لا أتمكن من وصف ندمي على حدوثه، تعلّق طلابي بي وهم يشدونني وينتحبون. أوشكت أن اختنق، كفكفت دموعي مرات ومرات. وتمنيت لو أن النقل اللعين يلغى، توجهت نحو العجوز التي أهدتني فروتها فوجدتها تكفكف دمعها. ما هذا، كان ثمة حطام من المشاعر وركام من العواطف الإنسانية البريئة، فعلى أية حماقة أقدمت أنا؟!
أهداني والد احد طلابي حصانَه «الشهاب» الذي اعتدت آن أستعيره منه وامتطيه إلى البتراء، فقد كانت ألفة ملحوظة نشأت بيني وبين الحصان الذي أطلقت عليه اسم الشهاب. اعتذرت بشدة عن قبول الهدية الثمينة، فلم تعد بي حاجة إلى الخيل، فقرية الدباغات تربض على الطريق الرئيس بين الشوبك ووادي موسى، ويمكن لي أن اركب السيارات العابرة وازور البتراء التي أدمنت على زيارتها.
تحسنت الأوضاع كثيرًا، وخفّت حدّة الغربة الثقيلة التي عانيت منها وأنا ما أزال في أول خطاي. قال لي عدنان خليل خطاب، ممرض قرية بير خداد، عندما زارني بصحبة معلمي القرى المجاورة واطّلع على حال القرية: والله يا محمد لو ربطوا قرودا مكانك في بير أبو العلق لقطّعت جنازيرها وهربت!! كان المعلمون غير المنفردين من طبقة أرقى !! وكانوا يطلقون على المعلم المنفرد لقب «المعلم المنقرد».
انتهى الفصل الصعب الأول من معاناتي. فأنا هنا في بير الدباغات، «حاضرة» المنطقة التي تتوسط عدة قرى هي قرى بير أبو العلق وحوالة وبير خداد والشماخ، ومدرستها التي تتكون، كعادة المدارس تلك الأيام، من غرفتين، واحدة للتدريس والأخرى للمعلم المنفرد، تقع على بوابة الغابة الكثيفة الجميلة. وهكذا أصبحت أرى صيادين وحطابين يستعدون للشتاء القارس القادم بتحطيب الشجيرات الآيلة إلى السقوط، والجميل أنني نادرا ما رأيت حطابا يتجاوز على الشجيرات المعافاة، وأذهلني صديقي التاجر عوض عندما قال انه ينتظرني جنب «البليليطة» وهو التصغير السليم لكلمة بلوطة!
 
تعلمت العجن والخبز والغسل
كانت المشكلة الأعوص التي تواجهني هي الطبخ ثم غسل الملابس الداخلية والجرابات – الكلسات والقمصان، ولذلك اشتريت أكداسا من الجرابات الجيشية والملابس الداخلية الصوفية الثقيلة واستعضت عن القمصان بالكنزات الصوفية التي لا تحتاج إلى كوي متكرر.
دلني المعلم محمد الملكاوي على طريقة تحضير العجين وترك لي منقلا كبيرا، كنت أُجمِّر الحطب فيه واضع فوق الجمر مشبكا حديديا ثم أضع العجين المرقوق فوق المشبك وأقلّبه وبعد دقائق احصل على خبز قمح محمر، اقسم إنني لم آكل إلى اليوم أطيب منه وأشهى.
العمل ممتع ومختلف في بير الدباغات التي لا تبعد عن بير أبو العلق أكثر من خمسة كيلومترات، ولذلك تفرغت للطبيعة وللقراءة المكثفة التي تركزت على الدراسات السياسية والعسكرية ومذكرات كبار القادة في التاريخ وعلى المجلات السياسية والثقافية التقدمية المصرية واللبنانية مثل: مجلة الآداب ومجلات الطليعة والفكر المعاصر والمجلة، في محاولة لفهم ما يجري في العالم.
لم يكن طلابي بحاجة إلى الحضانة والرعاية الخاصة التي احتاجها طلاب بير أبو العلق. وضعت منقلين في غرفة التدريس التي كانت تضم 12 طالبًا، الأول قريب من الباب والثاني في نهاية الغرفة، ووضعت جدولا يوميا بحيث يقوم طالبان كل يوم بإحضار حطب التدفئة وإشعاله إلى أن يصبح جمرًا.. فيجران المنقلين إلى غرفة التدريس التي تصبح مكانًا دافئًا صالحًا للدراسة.
- السبت المقبل الحلقة 5

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش