الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أُمّنا المدفأة

تم نشره في الاثنين 22 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً
د. هناء بنت علي البواب

هو الشتاء، زائرنا المباغت حيث لاندري به إلا حين تغفو عيوننا على حبّ لاندركه إلا ونحن نشتم رائحة الأرض مندّاة بالمطر، لا شيء يبدو أكثر عفوية من تبايُن الفصول، الدفء نَقِيض البرد، والربيع نَقِيض الخريف، وقَبل كُل شيء، الصيف نَقِيض الشتاء.
فصل الشتاء رمز الفقدان، هو رمز الحزن، الشتاء قاسٍ ونحن الأردنيين نحب الوجع في الحياة وتعودناه، ونبحث عن الشقاء تحت أعشاب القهر والقسوة، نحبّ الرياح ونعشق صوتها رغم خوفنا منها، نحبّ نغمة البكاء بشكل متفرد بالرغم من ضحكاتنا الكاذبة.
أيام الشتاء القصيرة، ولياليه الطويلة المتجمدة لانشعر بها إلا حين ننصت للنشرة الجوية، وصوت المذيع المتهدّج فرحا يبشرنا بحلول العطلة، فتأتي النهارات الباردة دون أن يهطل الثلج، والليل البهيم الذي يتعجل أن يحل علينا بعد أن تمر لحظات الانتظار بجانب مدفأة تجْمع الأسرة وتتقاطع الأيدي لتناول كل ماتشتهيه حول حرارتها.
فنحب شتاء لا نضيء فيه سوى ضوء واحد في بيتنا، وتبقى التدفئة على حدها الأدنى، ونتقي البرد بشالٍ وثلاث سترات، ولا يسعدنا سوى تلك الوجبات التي تؤكل بصمت أمام تلفاز مفتوح، تذاع عليه فظائع ما جرى خلال اليوم، تتبعها النشرة الجوية الكئيبة.
فيمتليء الحب في أمعائنا من بعدها، ولا تتطاير إلى رؤوسنا سوى فكرة الطعام والتفنن في طلبات موازية لقدرة هذه المعدة على الاستيعاب والهضم.
فتحتلّ المدفأة صدرالبيت، فهي الأهم في هذه الجلسة، وهي صاحبة الأمر والنهي وقتها ولا مجال لنناقش معها أي رأي، وتتوزّع من حولها الجلسة على سجّاد وثير، فيما يرتفع على أعلى المربع الحديدي، الذي تطقطق في جوفه النار الملتهبة بعد أن أُضيف إليها الوقود من كاز أو مازوت، البخار الأبيض الكثيف من فوهات أباريق الشاي وفتحات ركوات القهوة.
ونستمع للعواصف العاتية، والتي باتت الجهات المعنيّة بالأرصاد الجويّة تطلق عليها أسماء أنثوية تلطيفًا ربما لقسوتها، ولحلولها الصاخب، تنتقل الفرش والوسائد إلى محيط الموقد لتبيت الأسرة كلها في غرفة واحدة نائيةً عن الأسرّة وتاركةً الغرف الأخرى للبرد القارص، الذي يحوّل أجزاء واسعة من البيت إلى مساحات من القطب الشمالي المقفرة.
مُدهشٌ تتابع الأسرة وتجمعها حول المدفأة، جميل ذاك التعاقب بين الأُلفة والاغتراب واختلاف الأذواق... فجلستنا هُنا حُلوة كالأمل.
هو الحب الدافيء في تلك اللحظات، الأم التي تسرع لوضع الكستناء، وتقشير البطاطا وتمدها إلى الأغلى على قلبها أولا، لتمتد بقية الأصوات معلنة الاحتجاج، وتتعالى أصوات الضحك، فلا أجمل من لحظات تركض فيها الأخت الكبرى لتجهز أطباق الطعام لتعلو نغمات الفرح بحرارة الدفء الذي يملأ القلوب لحظتها.
ويعلن الأب احتجاجه وتعبيره عن الرفض لاقتراب الصغار من المدفأة خوفا من الاختناق، وينسى أن أرواحهم باردة تبحث عن دفء مختلف لازالوا يبحثون عنه.
هو الحب الذي لاتعرفه معظم الأسر إلا حين الإكراه على الجلوس في زاوية واحدة بحثا عن دفء مصطنع من آلة صنعتها أيديهم...فحبهم مصطنع.
أيّتُها المدفأة...أيّ سرٍّ فيك يبثّ كل ذاك الحب؟؟
يا أنثى المطر الغريب الذي بلّلتهُ جراحنا حين الغربة والابتعاد عن قلوبنا المتعبة بالركض في شوارع الحياة.
صارت الأسرة أرضا جافة من بعد ما كانت غصنًا يافعًا في شجرةِ البيت، فانزلي على صدورهم كمسحةٍ حنونة، قربي فمَكِ من هذه الشّفاه التي تمارس الأكل والثرثرة فقط في تلك اللحظات كأنكِ تُمارسين التقبيل، ثمّ انفخي برئتيهم، كما لو أنّكِ تنفخين بفمِ غريقٍ ليَنجُو. أخبريهم أن الحب سينجو بهم بعيدا عنكِ.
أفراد الأسرة في تلك اللحظات لهم ملامح جميلة وأخرى بشعة، كشوارع نظيفة وأخرى قذرة، قصصٌ كثيرة مُخبّأة، حمولةٌ من التناقض، ضحكات تتفرق مع ظهور الشمس لتتشقق الحياة بأغنيةٍ صالحةٍ للبُكاء، أُغْنِية تُحْيي الحَنين للشتاء فقط.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش