الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قــراءة نـقـديـــة لكـتـــاب «كراهية الإسلام» لفخري صالح

تم نشره في الجمعة 16 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً
يوسف ربابعة



يُنقل عن الرسول محمد عليه السلام أنه قال: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى»ـ والمنبت هو الذي حمل على ناقته حملا ثقيلا أكثر مما تحتمل وفي منتصف الرحلة انقصم ظهرها، فلا أكمل رحلته ولا حافظ على ناقته.
فهل نحن اليوم منبتون؟ لا نستطيع التقدم ولا العودة، حائرون في منتصف الطرق؟
هل عجزنا عن تقديم الإسلام بما ندعيه عنه؟ إننا ندعي أنه دين لكل العالم، ونقرأ ما ورد في كتابنا المقدّس «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا»، لكننا في التطبيق ضيقنا الإسلام حتى لم يعد يحتمل فرقة واحدة ومذهبا واحدا وطائفة واحدة.
هل فقدنا القدرة على التفاهم مع العالم في الوقت الذي نقرأ فيه «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، فتفرقنا طوائف ومذاهب وشيعا، يقتل بعضنا بعضا باسم الدين ذاته الذي ننادي به لنعتصم بحبل الله بسببه جميعا؟
فمن يكرهون منا إذاً؟ إذا كنا لا نستطيع تعريف أنفسنا بالشكل الذي يمكن من خلاله أن نحب ذاتنا قبل أن يحبنا غيرنا.
هل نحن اليوم أمام السؤال ذاته الذي أقلق الشعب الأمريكي بعد أحداث سبتمبر، وهو سؤال وجودي مهم: لماذا يكرهوننا؟
إن الإجابة عن سؤال الكراهية الذي يطرحه الأمريكان وغيرهم من شعوب الغرب تبدو عندنا إجابة بدهية، ولا تحتاج إلى كبير تفكير، إجابة واحدة يعرفها صغيرنا وكبيرنا، ذكرنا وأنثانا. إننا نكرهكم بسبب أفعالكم، وانحيازكم، وتدخلكم في شؤون بلادنا، إننا لسنا سبب الكره، بل أنتم الذين أعطيتمونا مبررا كافيا لأن نكرهكم كرها شديدا.
إنني أحاول أن أتخيل السؤال معكوسا، ونسأل الغرب ومن يدور في فلكه: لماذا تكرهوننا؟
أعتقد أن الإجابة لا تختلف كثيرا عن إجابتنا على سؤالهم ذاته، نكرهكم بسبب أفعالكم، لأنكم تريدون فرض رؤيتكم علينا، لأنكم لا تريدوننا إلا مثلكم.
إنني لا أستطيع أن أتخيل حجم السخط الذي قد يصيبني إن كان ما أقوله لتبرير كرههم لنا، فلا أحد يحتمل نقد الذات، بل سأصبح عميلا يجلد ذاته من أجل رضى الآخرين.
كتاب «كراهية الإسلام» الصادر عن الدار العربية للعلوم (ناشرون)، بيروت، يرى «أن الغرب يبني للإسلام والمسلمين والعرب، صورة متقاربة. إنها صورة نمطية متحدّرة من الرؤى الاستشراقية القديمة نفسها، صورة الشرق المتخلف، غير العقلاني، العنيف، المستبدّ الذي يَعُمُّه الطغيان، وهو أدنى منزلةً من الغرب العقلاني، المتحضر، الديموقراطي، المتمسك بحقوق الإنسان».
فهل هذه الأسباب نفسها تفسر سبب الكره الذي يمارسه الغرب ضدنا؟ تلك الصورة النمطية التي استقاها الاستشراق من خلال جزئيات وعينات لا تمثلنا، ودائما في النهاية أي عمل يمكن أن لا يمثلنا، ومن السهل التنصّل منه، وتعليقه على شماعة الخطأ الفردي، كما يبرر الغرب أعمالهم في معرض الحديث عن كرهنا لهم.
لكن فخري صالح لا يرى أن نظرة الاستشراق تشكل مبررا كافيا لكررهم للإسلام، ذلك أنه «إذا كان المستشرقون، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، يقيمون دعاواهم ويبنون أحكامهم على الشرق من خلال قراءة آثار هذا الشرق المعرفية والعلمية واللغوية والأدبية، فإن جيش الخبراء والدارسين من المهتمين بالمنطقة يستندون إلى معارف ثانوية يستقونها من مصادر إعلامية، أو وصفٍ تبسيطي يتَّسم بالتسطيح وغلبة الأهداف الأيديولوجية على المعرفة العلمية والموضوعيَّة، لأن المطلوب هو أن تقود  المعرفة التي يجري تعميمُها إلى صناعة القرار وتشكيل صورة العدو وبناء تحالفات دولية للحرب على الإرهاب».
يتخذ الكتاب ثلاثة نماذج، أولها: المستشرق البريطاني - الأمريكي برنارد لويس، وثانيهما: الباحث الأمريكي في العلوم السياسية صمويل هنتنغتون، وثالثهما: ف. س. نايبول). ويحق لنا أن نسأل هنا، ما الذي جمع بين هذه النماذج الثلاثة، مع وجود الاختلافات الجوهرية بينها؟
يجيب كتاب (كراهية الإسلام): أنه بالرغم من اختلاف الخلفيات المعرفية، والتخصصات، والدوافع والتحيّزات، والأصول العرقية، والانتماءات الحضارية والثقافية، فإن الصورة التي يبنونها للإسلام والمسلمين والعرب، متقاربة.
برنارد لويس يرى أن السؤال الذي يطرحه المسلمون اليوم، هو   من فعل هذا بنا؟ وتأتي الأجوبة - بحسب قوله- : المغول، الأتراك، الإمبريالية الغربية، اليهود، الولايات المتحدة. لكنّ سؤالاً من هذا النوع، باختلاف الأجوبة التي قدمها الأصوليون والعلمانيون على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم، قاد، حسب لويس، إلى خيالات عصابية وتبنٍّ لنظرية المؤامرة. وهو يرى أن المشكلة الحقيقية التي يعانيها العرب والمسلمون تتمثل في  غياب الحرية - حرية العقل من القيود وصيغة التلقين في التعليم، وحريته في أن يسأل ويستعلم ويعلن رأيه؛ حرية الاقتصاد من الفساد وسوء الإدارة؛ حرية النساء من اضطهاد الرجال؛ حرية المواطنين من استبداد السلطة»، فهل نستطيع أن نرد على لويس بأن كلامه غير صحيح؟ ربما سنسكت قليلا، ولا نعدم إجابة، لنقول: إن هذا كلام حق يُراد به باطل. حتى إن قال لويس يوما: الإسلام واحدٌ من أعظم ديانات العالم. ودعوني أكن واضحاً حول ما أقصده بهذا، باعتباري مؤرخاً غير مسلم، للدين الإسلامي. لقد منح الإسلام الراحة والطمأنينة لملايين لا تحصى من الرجال والنساء، فقد أعطى كرامة ومعنى للحياة التي كانت رتيبة، تعيسة، وبائسة. كما أنه علَّم شعوباً من أعراق مختلفة أن يعيشوا حياة أخويَّة، وجعل شعوباً مختلفة المشارب تعيش جنباً إلى جنب في تسامح معقول. كما أنه ألهم حضارة عظيمة عاش فيها المسلمون وغيرهم حياة خلاَّقة ومفيدة».
ومع كل هذه المعرفة التي يتمتع بها برنارد لويس فإن فخري صالح يأسف لأن شخصا مثله، وهو مستشرق عارف بالعالمين العربي والإسلامي، كان قد أنجز عشرات الكتب حول تاريخ الإسلام والمسلمين، تحوَّل إلى داعية ومروِّج لأفكار ضحلة وتبسيطيَّة يمكن لتلامذته من المحافظين الجدد استعمالُها في حملتهم لمكافحة الإرهاب ونشر الديموقراطية بين العرب والمسلمين، وهو ما أدى، كما نعرف، إلى كارثتي الهجوم على أفغانستان والعراق، وتدمير هذين البلدين تدميراً تامًّا وتحويلهما إلى دولتين فاشلتين تأكلهما الحرب المستمرة فيهما منذ الاحتلال الأمريكي لهما عامي 2001 و 2003 ،على التوالي.
وهناك فرق كبير بين لويس المؤرخ والسياسي وانحيازاته الأيديولوجية، وإيمانه بتوظيف المعرفة في خدمة السلطة وغايات الإمبراطورية، من خلال حديثه عن عمله خلال سنوات الحرب العالمية الثانية في جهاز المخابرات البريطانية بدءاً من نهاية 1940 أو بداية عام 1941
يقول لويس: مسؤولية المؤرّخ، وواجبه، هي قولُ الحقيقة كما يراها، الحقيقة بحذافيرها ولا شيء غير الحقيقة. عليه أن لا يسمح لنفسه أن يكون داعيةً وناشراً للأكاذيب أو أن يُستخدَم من قِبَل الدعاة وناشري الأكاذيب. هذا ما يمثّل الإغراءَ الأكبر والخطرَ الأعظم على التاريخ كمهنة وتخصص، لأن التاريخ هو القضية التي يختارها المرء ويُغَلّبها على أي غرض سياسي.
وإذا كان لويس قد نفث الكره بسبب رؤية نمطية استشراقية فإن هنتنغتون لم يسلم هو الآخر من البحث عن الكراهية حيث تبدو من منظور كتاب (كراهية الإسلام) غير مبررة، ولا وجه حق لها، فهو «يدرك تماماً صداميَّة حضارته التي تُولّد الشكوكَ والنفورَ لدى الشعوب الأخرى، لكن الهدف الكامن وراء أطروحته يدفعه إلى التغاضي عن الكشف عن الأسباب الفعلية للصراع وتنافر الهويات وعودة الشعوب، التي حملت وشمَ الاستعمار الغربي على جسدها، إلى هوياتها الأصلية لتقوم بإحيائها والتشديد عليها. كما أن الإصرار على أن الدين يُشكّل على الدوام الإجابةَ المثلى على سؤال الهوية هو بمثابة الكشف عن الهدف الاستراتيجي للتأكيد على أطروحة صراع الحضارات.
والسؤال الذي يثيره فخري صالح من التنظير لصدام الحضارات هو عن النوايا الكامنة خلف هذه النظرية حين يصبح الحديث عن الدين هو الذي يشكل الاختلاف بين تلك الحضارات، حيث تقوم أطروحته على أن «التحدي ظاهرٌ من خلال ظاهرة الإحياء الإسلامي الشاملة على جميع الصعد الثقافية والاجتماعية والسياسية، بما يتضمنه ذلك من رفض للغرب وقيمه ومؤسساته. أما التحدي الآسيوي فيتمثل في الحضارة الصينية بصورة خاصة. ويدَّعي هنتنغتون أن المسلمين والآسيويين يشددون على كون حضاراتهم أسمى من الحضارة الغربية وأكثرَ عراقةً في التاريخ. ولهذا السبب فإن الحضارات الإسلامية والآسيوية تمثّل تهديداً متزايداً للغرب»، فالدين من منظوره ليس قضية شخصية وعلاقة مع الإله بل يغدو - حسب رأيه - في مثل هذا العماء الذي تعيشه البيروقراطيات الحديثة المنقذَ من الضياع، كما أنه يوفر تعبيراً كبيرَ الأهمية عن رفض الغرب ونزعة التغريب في المجتمعات غير الغربية. لكن إحياء الدين لا يعني رفضاً للحداثة وعمليات التحديث. إنه رفض للغرب وعلمانيته ونسبيته وثقافته بعامة، وإعلانٌ واضح للاستقلال عنه.
أما نايبول، وهو النموذج الثالث في هذا الكتاب، فهو  متشائمٌ من الفوضى وغياب النظام اللذين تسبب فيهما انهيار الإمبراطورية الإسلامية، وهو لذلك قلقٌ من ظهور العرب والإسلام مجددًّا في المشهد العالمي بعد قرن واحد فقط من هزيمة إمبراطوريتهم الممتدة في إفريقيا والهند على أيدي القوى الأوروبية»
ومع أن فخري صالح يتبع عباراته بكثير من علامات التعجب والاستفهام عندما يتحدث عن تحيز نايبول، إلا أنني لا أجد أي غرابة في كره غير العرب للإسلام بسبب ارتباطه بالعرب، وربما لو اعتمدنا مبدأ المحاكمة الذاتية لأعمال بعض الفاتحين لوجدنا لدى الآخرين أسبابا مبررة لهذا الكره. لقد حدثني صديق أمازيغي أن أباه يكره العرب، لأنهم جاؤوا فاتحين ولم يخرجوا من بلادهم، بل وحكموهم!
يرى فخري صالح أن الاحتفاء بكتابات نايبول ليست بريئة، وهي من الأدلة الدامغة على أن الغرب يروج للصورة النمطية المتوارثة من عصور الاستشراق، «فقد أصبح نايبول وكتاباتُه جزءاً من الحملة التي تُشَنُّ ضد الإسلام والمسلمين. وهو لم يتوقف، منذ ذلك الحين، عن حملته ضدَّ الإسلام والعرب والمسلمين، بل إنه قام بمدِّ تلك الحملة إلى مناطق لم يزُرْها من العالم الإسلامي، كما أنه لا يعرف عنها إلا أقلَّ القليل، واستند في هجومه عليها إلى كلام الصحف والإعلام المرئي، أكثرَ من تَحصُّله على معرفة تاريخية وبحثية بتلك المناطق»
لقد جسد نايبول في رواياته الشخصية المسلمة بالسخف والغباء والدموية، ففي رواية «منحنى النهر»، يقول: أؤمن بالغيب والخرافة فيما يتعلَّق بالعرب. لقد أعطونا، كما أعطوا نصفَ العالم، دينَهم، لكنني لا أستطيع أن أكُفَّ عن الشعور بأنهم عندما يخرجون من الجزيرة العربية فإن أشياءَ رهيبةً سوف تحدث في هذا العالم. عليك أن تفكر بالمناطق التي جئنا منها: فارس والهند وإفريقيا. فَكِّرْ بما حدث هناك. والآن أوروبا. إنهم يضخُّون النفط ويشفطون المال»
وخلال زياراته ورحلاته في العالم الإسلامي لم يغير فكرته بل زاد في الاتهام، حتى أنه يرى أن الإسلام سببُ مأساة باكستان ومعضلتُها الراهنة.
لكن الفكرة التي يعمل نايبول على تطويرها في كتاب «أبعد من الإيمان» تتمثّل في كون الإسلام، ديناً وعقيدةً، لا يهتمُّ بضمير المؤمن أو اعتقاده الشخصي. إنه دينٌ ذو نزوع إمبريالي يهتم بالامتداد والتوسع والغلبة، وإخضاع الأرض، والشعوب التي يتوصَّل إلى هزيمتها، لحكمه ولثقافة أصحاب الدين العرب. ما يهمُّ نايبول، في هذه العملية المركبة من علاقة التوسع الإمبريالي بتشكيل الإيمان والعقيدة الشخصية للشعوب المغلوبة في البلدان الآسيوية المسلمة، هو أن رؤية الإنسان المرتد عن دينه الأصلي إلى الإسلام تتغيّر بصورة جذرية، كما أنه يهجر أماكنه المقدسة متَّجِهاً إلى أماكن الإسلام المقدسة في بلاد العرب»
ومع أن نايبول تجوَّل في بعض أصقاع العالم الإسلامي الشاسعة إلا أنه لا يشهد في الإسلام أيَّ جوانب حضارية، بسبب صدوره عن رؤية تقوم على الرؤية والملاحظة الفرديتين دون الاستعانة بالمادة التاريخية المتوافرة في الدراسات المنشورة باللغة الإنجليزية، التي كان يمكن أن تصحح نظرتَه المتحيّزة ضد الإسلام والمسلمين».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش