الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

القاص هشام البستاني: الفن يتحقق حين يُفَكَّك ويُعادُ تركيبه

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً

حاوره: خالد سامح
«الواقع هو المادة الخام لأي عمل فني مهما كان فانتازياً...وواقعنا اليوم في العالم العربيّ أكثر سورياليّة وخيّاليّة من أي مخيّلة «...تلك هي رؤية القاص الأردني هشام البستاني، والذي صدر له مؤخرا مجموعة قصصية بعنوان «شهيق طويل قبل أن ينتهي كل شيء» عن دار كتب خانة المصرية، ويبحث فيها عبر لغة إبداعية ثرية بإيحاءاتها وجمالياتها في المآسي البشرية وأزمة الانسان المعاصر لا سيما في عالمنا العربي الذي تعصف به تحولات سياسية وإجتماعية وفكرية شتى...
هكذا ومنذ الصفحة الأولى لعمله الإبداعي الجديد يضع البستاني القاريء في مواجهة صور مرعبة وواقع إنساني مأزوم وتحديات عالمية كبرى تضمنتها مجموعاته السابقة الا أنه يصورها الآن بجرأة صادمة، وبإجتراح منحنيات تعبيرية مثيرة بسورياليتها تارةً وبمزجها بين الخيال والواقع تارةً أخرى، مستندا في كثير من القصص على وقائع حقيقية ذاتية وغيرية.
أصدر البستاني قبل مجموعته الجديدة أربع مجموعات هي «عن الحب والموت»، «الفوضى الرتيبة للوجود»، «مقدمات لابد منها لفناء مؤجل» و»أرى المعنى» التي ترجمت للانكليزية، وهو حاصل على جوائز عالمية رفيعه... عن مجموعته الخامسة ومافيها من جديد على صعيد الأسلوب والمضمون، وعن علاقة القصة بالشعر وباقي الأجناس الأدبية والتحديات التي يواجهها المبدع العربي وغيرها من القضايا كان لـ»الدستور» معه الحوار التالي:
- الاستفادة من تجارب ذاتية وغيرية، وحكايات لها أصل حقيقي، بدا ذلك التوجه واضحا في مجموعتك الجديدة، فعلى أي أساس جاء، وهل تسعى لتطويره في أعمال لاحقة؟
- كل متخيّل جذره الواقع، ينطبق ذلك على أشد الكتابات أو الفنون سورياليّة أو تجريديّة أو غرائبيّة، ومرجعيّات أي نصّ مهما كان فانتازيًّا هي مرجعيّات من الواقع، سواء تعلّق الأمر بالألوان أو الأشكال أو الروائح أو الكلمات. ليس الفنّ –طبعًا- مجرّد تجميع لعناصر اعتباطيّة من الواقع لتحقيق غرائبيّة شكليّة، كما ليس الفنّ –أيضًا- أن تعكس الكتابة الواقع كمرآة. الواقع هو المادة الخام الأوليّة لأي عمل فنيّ، لكن الفنّ يتحقّق حين يُقلب الواقع من الدّاخل إلى الخارج، حين يُفكّك ويعاد تركيبه بما يقدّم زوايا نظر جديدة، أو يُدفع بعيدًا عن السطحيّ ليصير حفرًا في الأعماق، انتقالًا من الاطمئنان إلى القلق، من الرّكود إلى الفوران اشتغالًا ينقل البعد الواحد الخطيّ المتحرّك من بداهة النُّقطة أ إلى ب، إلى إمكانيّات التّخليق المتعدّد والاحتمالات المفتوحة والمسارات المتشابكة اللانهائيّة. إن أضفنا إلى ذلك حقيقة أن واقعنا اليوم في العالم العربيّ أكثر سورياليّة وخيّاليّة من أي مخيّلة، سنجد أن اللجوء إلى هذه المادّة الخام في سياق إنتاج كتابة معاصرة هي ضرورة تترافق مع تحدٍّ مزدوج أمام الكاتب في تعامله معها: أولًا، عليه أن يمتلك الإمكانات المعرفيّة (المتغيّرة دومًا، المحدّثّة أبدًا) ليفهم هذا الواقع بعمق؛ ثانيًا، عليه ان يمتلك الإمكانيّات التقنيّة ليتعامل مع واقع بهذه السورياليّة وهذه القسوة ليحوّلها إلى فنّ، خصوصًا إن كان يعمل في مناطق القصّة والشّعر التي تتطلّب أيضًا حساسيّة أعلى وتقف على مستوىً أعلى من الصّعوبة.
أنا دائم العمل على التّغيير الأسلوبيّ، وسيجد المتتبّع لكتبي الخمسة أن كلّ واحد منها يختلف بهذا المعنى عن غيره. طبعًا أنا لا أتقصّد الاختلاف، والتفسير المنطقيّ لهذا الوضع أن كلّ كتاب يمثّل «حالة» كتابيّة ما تتعلّق بزمن كتابتها، وهموم الكاتب حينها، والظروف السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي يعايشها، ومجمل معارفه واهتماماته واطلاعه التي (يفترض فيها) أن تتطوّر باستمرار، لذا لا أستطيع الجزم إن كنت سأستمرّ بالعمل على هذه المساحة، رغم انّني استخدمتها في السّابق في أكثر من عمل، مثل «كوابيس المدينة»، و»الانكسار البعد للقيود البعيدة»، و»فيصلي ووحدات» من مجموعة «الفوضى الرّتيبة للوجود»، وبعض القطع القصيرة جدًّا من كتاب «أرى المعنى». هذا التوظيف مهمّ بالنسبة لي لأنّه يشكّل نقطة الاشتباك الفنيّ مع اليوميّ، وتحدٍّ أقوم من خلاله بتحويل الحدث الفجّ إلى مادّة للتأمّل والسّؤال والاكتشاف والنّقد والتّوليد.
- قصصك سوداوية لا ترصد سوى المآسي والأزمات. لا فسحة للأمل، ولا ضوء في نهاية النفق المظلم الذي تضع القارئ في أجوائه، ما تعليقك؟
- عالم اليوم يغوص أكثر وأكثر في الأنانيّة، والاستهلاك، والتمحور حول الذات، وتسود فيه (بشكلٍ شبه مرضيّ) أشكال الهروب من مواجهة المآسي عبر «التفكير الإيجابيّ» و»التفاؤل» و»الطاقة الإيجابيّة» ومجموعة كبيرة من الأكاذيب السطحيّة السّهلة الاستهلاك، المُصمّمة لتطبيع النّاس على الظُّلم والقهر واللامساواة، وتحميلهم هم أنفسهم مسؤوليّة الوضع المأساوي التذي تخلقه بُنى القوّة والسُّلطة والهيمنة والشكل الاقتصادي القائم على الاستغلال وإنتاج الفقر. لست معنيًّا في إنتاج أدبًا هروبيًّا أو تسوويًّا، كما لست معنيًّا ببثّ الأوهام والخزعبلات الدعائيّة، ولا ببناء بدائل رومانسيّة تعويضيّة، أو عوالم للتخدير والتسليّة. كلّ هذا ليس فنًّا برأيي، يتطلّب الفنّ الاصطدام المباشر، المواجهة، وتفجير الأكاذيب باعتبارها رقابة أوليّة على الكتابة والفنّ.
هذه المقاربة هي ما أسميه استعادة الوعي النقديّ والتخليقيّ، أو الاستيقاظ من الخدر والكسل، أو الفنّ في مواجهة التسليّة، أو بذل الجهد الإبداعيّ بدلًا من التلقّي السلبيّ. تحضر هذه المقاربة بأفضل ما تحضر في كتابي الأخير «شهيقٌ طويلٌ قبل أن ينتهي كلّ شيء». هذه المقاربة هي النقيض الموضوعيّ لليأس، وهي الدّافع الأوّل للحركة والتّغيير. العقل الذي يشتبك ويعمل مع (وفي) نصّ يحفّز النقد والتّخليق والاستيقاظ والانتباه والفنّ، العقل الذي يندفع للحركة في نصّ «ديمقراطيّ»  يتيح شراكة المتلقيّ فيه وفي مآلاته ومعانيه، هو نص يحرّك العقل إلى منطقة الفعل. على المتلقّي أن يخلق الضوء، أو أن «يجد النّفق الذي في نهاية الضوء» بحسب تعبير تشارلز بوكاوسكي. هذا هو الأمل، أما التخدير التفاؤليّ في سياق عالم بائس، فهو التزوير وإدامة الحال على ما هو عليه.
- تصرح دائما أن وشائج القصّة مع الشّعر أكثر وأعمق من وشائجها مع الرواية، ويرد ذلك في إحدى قصص مجموعتك على لسان السارد، هل يمكن ان توضح لنا ذلك؟
- في سياق القصّة، واسمها «التّفاحة المعلّقة على الشجرة»، كانت الإشارة نوعًا من السّخرية السّوداء من حالنا كدول ومؤسسّات، ومن وضعنا الثقافيّ، إذ تحضر مقولات النقد الادبيّ في ذهن شخصٍ شارد الذهن، يمرّ في حالة تشبه أحلام اليقظة أثناء استجواب طليقته في محكمة، كما يشتم ذات الشّخص (في ذات السّياق) الرّواية، إذ يقول: «تسقط الرّواية، التجاريّة منها لأكون أكثر تحديدًا، يسقط الروائيّون لاعقو أحذية الجوائز».
هاتين العبارتين المتسلّلتين، تنبثقان عن مسألتين نقديّتين كتبت فيهما كثيرًا، وستكونان جزءًا من كتاب نظرّي أعمل عليه حول القصّة: الأولى تتعلّق بالاختلاف الهائل بين القصّة والرواية رغم أنّهما فنّان سرديّان، والتصاق القصّة بالشعر التصاقًا كبيرًا يصبح مكتملًا في الأشكال المُولَّدة أو شعر النّثر؛ والطبيعة السلعيّة أو التسليعيّة للرّواية باعتبارها أسهل على التلقيّ (لأنّها تُبنى على مهل، وتتوضّح فيها كلّ التفاصيل والعلاقات، وتُشرح فيها الأفكار)، وأكثر تسلويّة (لذات السبب السّابق، ولتعدّد الشخصيّات فيها، وتشكّلها على شكل مرآة للحياة، أو باعتبارها حياة موازية او بديلة، ووجود عناصر الإثارة والتّشويق ضمن بنيتها التي تقوم على الأحداث التي تولّد المزيد من الاحداث من خلال حركة الشخصيّات وتطوّرها). هذا، برأيي سبب نجاح ورواج الرواية اليوم: نجاح ناتج عن تحوّلها إلى سلعة تسلويّة، وابتعادها عن الفنّ، فأغلب عناصر الرواية الرائجة هي –برأيي- مساقط فنيّة: مثل الإثارة والتشويق، الاسترسال والتفصيل والحشو، الحركة الخطيّة في الزمان والمكان. فاقم ذلك اكتشاف الناشرين لهذه الميزة السلعيّة في الرّواية، مما يجعلهم يقدّمونها ويحتفلون بها ويطلبونها ويزيدون في ترويجها، فتكتمل الدائرة؛ نجاح سلعة في السّوق في عالم اليوم يجعل من هذه السلعة إيقونة. وعليه يصبح الاشتغال على القصّة والشّعر اليوم شكلًا من المواجهة الفنيّة للابتذال والتّسلية والتّسليع.
لن أشرح كثيرًا حول علاقة الشعر والقصّة، ولماذا أعتبرهما شقيقين، فهذا تحدّثت عنه في حوارات ومقالات سابقة، وسأكثّفه هنا بملاحظة أن الشّعر والقصّة –كلاهما- يشتغلان على الاقتصاد اللغوي، والكلمة المحسوبة بدقة، واستخدام الإحالات والمجازات والصوّر، والمراهنة على المسكوت عنه والمفهموم ضمنًا، والتلميح بدلًا من التصريح، والاشتغال العموديّ على المشهد أو الواقعة أو الصورة بدلًا من الاشتغال الأفقيّ. ما أريد إضافته هنا هو أنّني غير معنيّ على الإطلاق بتجنيس العمل، إن كان قصّة أو شعرًا، معايير التقييم الفنيّ هو الأهم والأكثر أساسيّة، وأنا أتعامل مع نصوصي باعتبارها قصصًا وقصائد في آن، بل إن كبريات مجلّات الشعر في العالم: «ذو بويتري ريفيو» الصادرة عن جمعية الشعر البريطانيّة، و»مودرن بويتري إن ترانسلاشن» التي أسّسها الشاعر البريطانيّ الكبير الرّاحل تيد هيوز، نشرت نصوصًا من «قصصي» باعتبارها قصائد شعريّة. هذه نقطة هامّة لتأكيد أن تجنيس النصّ غير مهمّ، المهمّ هو جدارته الفنيّة، والإحساس العميق باتّجاهاته الجماليّة.
- سأغامر بسؤال تقليديّ، ولكنّي أراه ضروريًّا: ما الجديد في مجموعتك، إن كان على صعيد الأسلوب، أو المضمون؟
- أنا أزعم أنّني أعمل ضمن مشروع كتابيّ، من أوّل كتاب صدر لي (وهو «عن الحبّ والموت») وصولًا إلى كتابي الأخير، لهذا أعتبر العمل اللاحق استمرارًا تجاوزيًّا للعمل السّابق، واستكمالًا مُغادرًا له. يمكن ملاحظة بعد التغيّرات المستجدّة، منها أن الروائح حاضرة في هذا الكتاب بشكل أكثر توسّعًا من الكتب السّابقة، وهي تجربة جديدة على كتابتي، ومنها أن أغلبيّة النصوص السّاحقة (إن لم يكن جميعها) مكتوبٌ بضمير المتكلّم، وهي محاولة جديدة منّي لسحب القارئ داخل النصّ، وتوحيد بصر القارئ مع ما يراه السّارد «المُلاحظ» (بتعريف فيزياء الكمّ، حيث الملاحظ يؤثّر ويغيّر مباشرة في الحدث بمجرّد الملاحظة، ودون أن يتدخّل فعليًّا فيه)، ومنها أنّني تخليّت إلى حدّ بعيد عن استخدام الهوامش الشّارحة كما كنت أفعل من قبل، تكنولوجيا اليوم تتيح إمكانيّات البحث المباشر، وصرت أميل إلى ان يقوم القارئ نفسه بهذا الجهد، إضافة إلى أن هذا الكتاب مكثّف إلى أبعد درجات الكثافة، وهو بعدد صفحاته القليلة (120 صفحة) يساوي بكثافته وانضغاط كتلته أعمالي السابقة الأربعة جميعها كما أرى.
- كنت قد حصلت مؤخّرًا على جائزة التّفرغ الأدبيّ والفنيّ التي تقدّمها مؤسسة روكفلر الأميركيّة في مركزها في إيطاليا لمدة شهر، كيف تقيم تلك التجربة ومثيلاتها في دعم الكاتب وتطوير تجربته؟
- هذه واحدة من التجارب الثريّة إلى أبعد حدود، حيث الطبيعة الخلابة، والهدوء، والخدمة المتكاملة، وتوفير جميع الإمكانات والاحتياجات للكاتب، والتكريم، والأحاديث العميقة التي تخاض على الغداء والعشاء مع الزملاء الآخرين الحائزين على الجائزة، وهم من أفضل الكتّاب والفنّانين والباحثين في مجالاتهم، الأمر الذي يتيح إمكانيّات أكبر للتركيز والإنجاز والتفاعل واختبار الأفكار والأشكال الفنيّة والتوجّهات الكتابيّة. طبعًا كلّ هذا يقوم على الأحقيّة والجدارة الأدبيّة في اختيار الفائزين، بدلًا من المحاباة والشلليّة والعلاقات الانتهازيّة التي تطبع كل ما يتعلّق بالجوائز في عالمنا العربيّ، وانعدام الجديّة، وانعدام الترتيب والنّظام، والعشوائيّة والفوضى، وعدم جديّة الكتّاب أنفسهم في التّعامل مع ما يفعلونه. ثمّة مسافة تقاس بالسّنوات الضوئيّة بين ما نحن فيه اليوم في العالم العربيّ، وبين الجديّة المطلوبة في تعامل الكاتب والفنّان مع نفسه ومع ما ينتجه من إبداع. كان هذا هو «الجديد» الذي اختبرته لمدّة شهر. مثلًا: بينما ما زال أغلب شعراء العربيّة غارقين في الغزل الفارغ المستهلك بحبيباتهم، أصدر زميلي في الإقامة الشاعر الأميركيّ كامبل مَكْغراث (الحائز على لائحة طويلة من الجوائز) ديوانه الأول بعنوان: «رأسماليّة» عام 1990، أما ديوانه الأخير «XX» (أي رقم «عشرون» بالأرقام الرومانيّة، في إشارة إلى القرن العشرين) فيتضمّن قصيدة واحدة عن كلّ سنة من سنوات القرن العشرين تتناول حدثًا مفصليًّا ما في تلك السنة. أترى ما أقصد؟
قبل سنوات، كنت أحضر حفلًا لاستذكار مؤيّة شوبان في مركز الحسيت الثقافي، وتضمّن القسم الأوّل من هذا الحفل عزفًا مشتركًا بين عازفين أردنيين والأوركسترا الأوروبيّة الضيفة، بعد انتهاء القسم تفرّق العازغون الأردنيّون بين الحضور، وجاءت جلسة عازفة الفلوت أمامي مباشرة إلى جوار صديقتها، ولم تتوقّف هذه العازفة (الفنانة المفترضة) عن الكلام مع صديقتها طوال القسم الثاني من العرض! أهذا تصرّف فنّان جادّ يحترم ما يفعل، يحترم الفنّ؟
نحن نعاني أزمات جمّة وبنيويّة، وفي الحقيقة أنا ممتنّ لفرص من نوع جائزة الإقامة الأدبية لمؤسسة روكفلر، وقبلها جائزة جامعة آركنسا للأدب العربيّ وترجمته، التي أتاحت لي فرصة نشر كتابي «أرى المعنى» مترجمًا إلى الإنجليزيّة ضمن منشورات جامعة سيراكيوز في نيويورك، وغيرها من التكريمات والجوائز، لكن المأساة هي هنا، عندنا، وعلينا أن نواجهها بكلّ شجاعة وحدّة، فلا مجاملة في الفنّ، ولا تسامح مع الرّداءة، والفساد يتضاعف تأثيره حين يصبح وأدًا للإبداع وتزويرًا له.
- أخيرًا، لك عدة مشاركات إبداعية خارج الوطن العربي: كآسيا، وأوروبا، وتركيا، وتتفاعل مع الوسط الثقافيّ الأمريكيّ، ونصوصك منشورة بشكل واسع في المجلّات الأدبيّة الأميركيّة، برأيك ما الذي يقف في وجه الكاتب العربي للوصول الى العالمية ونشر وترجمة نتاجه الابداعي؟
- يقف في وجهه منظومة كاملة من الفساد والمحاباة والشلليّة، وهيمنة السّلطة على الثقافة، وتحوّل المثقّف إلى ما يشبه المتسوّل، وفوق كلّ ذلك: الرداءة، والإحساس بالنّقص، ومحاباة «الأجنبيّ» ورؤاه المسبقة، والتجاوب معه إذ يعتبر الأدب مكانًا لاستكشافنا، حقلًا من حقول العلوم الاجتماعيّة والسياسيّة دون ان يولي أهكيّة للجوانب الفنيّة والإبداعيّة، لأن كثرة من كتّابنا لا يولون هذا الجانب أي أهميّة، وهم غير جادّون، ويبذلون أنفسهم ويبتذلونها، فيما تأتي مؤسّساتهم على شاكلتهم: أنظر حال رابطة الكتّاب الأردنيين مثلًا، أو اتّحاد الكتّاب العرب.
ثمّة ما هو رائع في تواجديّ العالميّ هذا لسبب وحيد: أن مدخلي على هذا العالم كان نصوصي فقط، فأنا لا أعرف أحدًا في تلك المجلّات والجوائز. ليس لي شلل أو مصالح متبادلة، يقف النصّ لوحده، ويتم انتقاؤه بجدارته المحضة. هذا أمر بالغ الأهميّة، وشجّعني على التجويد والتطوّر أكثر وأكثر، والتعامل مع الكتابة بمسؤوليّة كبيرة، وبعد اضطلاعي على تجارب العالم في الكتابة، أجد أن بعض كتّاب العربيّة لا يقلّون مستوىً عن نظرائهم حول العالم، مصيبتهم هو المشهد الثقافيّ البائس، وبلدانهم التي تدفنهم وتقضي عليهم.
أنا فخور بهذا التواجد، ومتألّم في ذات الوقت، لأن هذا التقدير يأتي من «الخارج»، هناك حيث لا أقيم ولا أتحرّك ولا أتفاعل بشكل يوميّ، في حين يحاربني المشهد الذي أنتمي إليه بدرجات مختلفة من الشّراسة. رغم ذلك أنا وفيّ للثقافة التي أنتمي إليها وأمثّلها، وبعكس كثيرين غيري من الكتّاب الأنانيّين المهتمّين بذواتهم، المعرقلين غيرهم، أحاول أن أدفع بالمبدعين من زملائي الكتّاب العرب والمحلّيين إلى الترجمة والانتشار، سواءً عربيًّا ضمن الملفّات التي أنجزتها لمجلّة الآداب اللبنانيّة وصحيفة أخبار الأدب المصريّة، أو عالميًّا من خلال موقعي كمحرّر للأدب العربيّ في مجلة «شرفة – بلكون» العربيّة التركيّة ثنائيّة اللغة، وموقعي كمحرّر للأدب العربي في مجلّة «ذي كومون» الأميركيّة الصّادرة عن جامعة آمهيرست العريقة.
أنظر هذه المفارقة المؤلمة واحكم: بينما تقوم إدارة متحف بلادي، متحف الأردن، بإزالة مقطعي الشعريّ وخياراتي الشعريّة (التي تضمّنت أيضًا: عرار، وتيسير السّبول) من معرضها الأخير المسمّى: «الأردن أرض الإبداع»، وتستعيض عنّا جميعًا بشعراء المُناسبات والسلاطين، تضعني مجلّة جمعيّة الشعر البريطانيّة على غلاف عددها الأخير، وتكلّفني بإنتاج فيلم خاصّ عرضته في حفل إطلاق المجلّة في لندن منتصف شهر كانون الثاني الماضي، في ذات الوقت الذي أنهمك فيه بتحرير ملفّ خاص مُترجم إلى الإنجليزيّة عن الأدب في الأردن، يتضمّن قصصًا لتسعة كتّاب وكاتبات محليّين من أجيالٍ وتوجّهات كتابيّة مختلفة، لمجلّة «ذا كومون» الأميركيّة، سيصدر ضمن عدد شهر نيسان من المجلّة، للتعريف بزملائي من الكتّاب المبدعين من بلدي الذي يطردني مسؤوليه من مُتحفه! هذا هو المشهد البائس الذي يحارب الإبداع والنّقد، ويحتفل بالتسوّل والتبعيّة والرداءة؛ ولرعاته وسدنته أقول: صحتين وألف عافية، فلتهنؤوا بالمستنقع الآسن، لي الرّيح الحُرّة، والسّهوب التي لا يُمكن أن تُسوَّر.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش