الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الذات والتاريخ والمعاصرة

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً


د. عصر محمد النصر

 يمثل التاريخ بما يحمله من معاني متعددة محطة يقف عندها أصناف من الناس كل ينشد حاجة أو يريد مطلبا, فمن يراه ملهما للمستقبل ومن يراه مشكلا يمنع من التقدم, وعلى ذلك تختلف نظرتهم إليه وتعاملهم مع صفحاته, على أن الاعتزاز بالتاريخ مما توارثه الناس, ولا يخرج الناس عن ذلك إلا لسبب, وهنا نقف على سؤال : ما أهمية الرجوع إلى التاريخ ؟ وما مدى ذلك وَحَدهُ ؟ وهل ينافي الرجوع إلى التاريخ المعاصرة والتقدم ؟ ولا يخفى أن مضامين هذه الأسئلة تمثل إشكالية واقعية وفكرية تموج بها الساحة اليوم.
أول عتبات التاريخ تلك التي يقف الناظر من خلالها على عظيم صنع الله سبحانه وجريان قدره, فيقف على سنن الله سبحانه في الحياة وعاداته الجارية, فأسعد الناس من أحسن التعامل معها واستفاد منها, وأكثر الناس خسارة من عاندها وسار في غير طريقها, وقد مثلت السنن نافذة مهمة لأمة الإسلام على الواقع في بداية البعثة, عرفوا من خلالها تاريخ الأنبياء وأتباعهم الذين صدّقوهم, كما عرفوا طريقة مخالفيهم, وما أجرى الله تعالى عليهم من آياته, فكان طريق الفلاح والفوز لأهل الإسلام واضحا بيّنا, وهو الذي حُرمه أهل مكة, فجهلوا التاريخ وعاندوا السنن, وكان مبدأ أمرهم من العكوف والطواف على الأحجار والأشجار, فانتكست فطرتهم وتبددت قوتهم وذهبت فطنتهم, فكانوا مثلا سائرا وآية تتلى, ومن هذا الوعي انطلقت حضارة الإسلام, فجاءت محققة للمقاصد الكبرى لخلق الإنسان, حيث تحرر العقل من كل وهم قد يذهب بفطنته وذكائه, وتحررت النفوس من تعلق يذهب بقدرتها وانجازها, ومن تأمل في المنجزات الحضارية لأمة الإسلام رأى مراعاتها للحاجة الإنسانية وقدرتها على استيعاب ما مضى من حضارات الأمم, فكانت حلقة ناصعة في تاريخ الأمم والحضارات.
من موارد الإشكال في الدراسات الاستشراقية والحداثية اعتبار أن الرجوع إلى التاريخ أمرا معيبا مخالفا للمعاصرة والتقدم, وهذا تعبير عن الإشكالية الثقافية التي عانى منها الغرب من الدين الكنسي, وقد تبعهم على ذلك طوائف من المسلمين, وفي مثل هذه الدعوة تغيب الذات وتفقد خصوصيتها المميزة لها, فيكون التقدم المنشود نوعا من التقليد, وقد ذهب بهم هذا التقليد –وهي سنة المغلوب وطريقته- إلى إضعاف قوة الأمة والذهاب بروحها, فكان من مظاهر ذلك نبذ الماضي وإضعاف حضور الوحي في حياة الأمة وترك المنظومة الفقهية الموروثة والمنهج الأصولي والحديثي, واستبداله بقراءاته جديدة, تنازع النص مصدريته, وقد تقرر أن لكل حضارة روحا, وأن روح الحضارة الإسلامية وحيها وثقافتها وتاريخها, وأن إضعافها والذهاب بها يصب في صالح القوي المهيمن, وكل عمل يأتي في هذا السياق إنما هو في صالح القوي ولأجله, وليس هذا سبيل للتقدم, وفي مثل هذا السياق يقول غستاف لوبون :” قد تفقد الأمة أشياء كثيرة وتعاني مصائب كثيرة ثم تنهض بعد ذلك, ولكنها تفقد كل شيء فلا تنهض أبدا إذا أضاعت روحها “(السنن النفسية لتطور الأمم ص39), وهذه الروح تتشكل من عادات الناس وتقاليدهم وثقافتهم ودينهم وأخلاقهم, وأي تقدم لبلوغ الحضارات الأخرى إنما يكون باستنهاض روح الأمة :” فتلك الروح هي القدرة الوحيدة التي لا تغلبها قدرة, وهي تمثل وطأة الأجيال وخلاصة أفكارهم “( السنن النفسية ص71), وهنا تظهر أهمية التعصب للذات والهوية والتاريخ, فمثل هذه ركائز للوجود والبقاء. إن الرجوع إلى الماضي لا يقتصر على البعد القيمي للدين والثقافة, بل هو جزء من الذات, فالحضارات ذات بعد تراكمي يمتزج فيه الماضي بالحاضر, ومن جانب آخر يعد الدين أعظم محفز يحث على الاجتماع ويضفي على الحضارة والأمة قوة وتماسكا لما له من أثر محفز من جهة ولما له من أثر على الأخلاق حيث يذهب بكل خلق يؤدي إلى التفرق والأنانية, وعليه فكل دعوة تأتي على خلاف ذلك إنما هي في الحقيقة تجريد للأمة من قوتها وقدرتها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش