الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«ديستوبيا» الفعل الثقافي

تم نشره في الأحد 25 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً

] محمد العامري
 المراقب للفعل الثقافي في السنوات العشر الاخيرة يدرك تماما حجم الخراب الذي كان كامنا في هذا الجسد، والذي كان يتغذى على بطولات ورقية ومواقف ليس لها علاقة بمفاهيم الفعل الثوري ومتطلباته.
فكانت رومنسيات الفعل السري أحد لذائذ ذلك الجسد عبر التغزل بالاعتقال ونبذ التساقط في احضان السلطات السياسية، وما استطيع توصيفه هو وهم لذيذ كان يمارس على مجتمعات جاهلة، مجتمعات هي بالاصل ضد فعل الوعي وسلوك القراءة والانتاجية، اننا نعاني من فساد ثقافي بكل معنى الكلمة من دلالة، مجتمع الديستوبيا الثقافية خاصة وقد انتظمت تلك الجماعات بالمحسوبيات على حساب السؤال الثقافي الكبير وما نطمح اليه في الارتقاء لمجتمع يحمكه الدستور والقانون.
ولكننا نرى ان المجتمع الثقافي من المفترض ان يكون مجتمعا اقرب الى الفضيلة منه الديستوبيا حيث انهارت تلك القيم الفاضلة في اول اختبار له، عبر مشروع الفوضى الخلاقة وما آلت اليه الشعوب العربية من مسميات حول الثورات والاحتجاجات، حيث كشفت القاعدة الشعبية في احتجاجاتها عن فقدان المثقف للمشروع الثقافي الذي يخص الناس، فاصبحنا امام عورات مركبة في الجسد الثقافي عورات النخبة وعورات المستثقفين وعورات المؤسسات الثقافية التي اصبحت تمارس الفرجة أمام موجات الاحتجاج الشعبية، فالمشروع الثقافي ان وجد فهو يعاني من مفسدة مركبة ومعقدة حيث نرى الى مثقفين كانوا ينادون باعلى اصواتهم بنقد الانظمة السياسية لنجدهم الان ينامون في حضن تلك الانظمة واي انظمة، الانظمة التي احترفت القتل، فاصبح المثقف الذي مارس الوهم الثوري سنين طوال هو جزء عضوي من مؤسسة الديكتاتور والقاتل، عبر منظومة من المبررات الواهمة.
انه فساد في المواقف واختلاف في صور المرايا المكسرة، فهو عالم وهمي يقلب الوضوح الى وضوح موارب، عبر لغة استكلابية مليئة بالنباح السياسي، ونشهد تعميق لديستوبيا المواقف وضلالة المشروع ذاته دون النظر الى البعد الرابع في المسألة، بل هي محض مواقف دُفِع أجرها مسبقا، فليس للخير مكان فيها، ومن أبرز ملامح هذه المرحلة الديستوبية، الخراب، والتنكيل والقتل والفقر والمرض والاضطهاد والتخوين، فهم مجموعة من المسوخ تحققت ملامحهم من خلال اعتلاء النعوتات الثقافية، مسوخ متناحرة وحارة في الدفاع عن البؤس، افعال نقيضة لليوتوبيا.
فمساحة الانفصال شبه الكلي بين كنتونات الثقافة وبين القاعدة الشعبية العريضة هي احدى اشكال فساد المجتمعات ككل وفساد المثقف بالتحديد، فقد لجأت تلك القواعد العريضة من الناس الى كنتونات اخرى تناسبها وتتناسب مع ايقاعها الاجتماعي هو كنتون القبيلة كدويلات مصغرة وهمية في قوتها وطبيعة تمظهراتها مشفوعة بمرجعيات قديمة اقرب الى لغة السيف والخيل، ولم يدركوا ان الخيل تبدلت وصبحت طائرة نفاثة والسيف اصبح بنقدية الكترونية تمام كمن يقارب بين «الكيبورد والقنوة».
وقد تمظهر هذا الفساد بمنتجات الادب العربي والعالمي وخير مثال على ذلك رواية 1984، هي رواية ديستوبية من تأليف جورج أورويل نشرت سنة 1949.
تتحرك أحداث الرواية في إيرستريب  (بريطانيا العظمى سابقا)، وهي مقاطعة من دولة عظمى تدعى أوشينيا، في عالم لا تهدأ فيه الحرب والرقابة الحكومية والتلاعب بالجماهير،حيث ترزح تلك المقاطعة تحت وطاة نظام قمعي حيث يمتلك الحكم نخبة من اعضاء الحزب حيث يلاحقون التفكير الحر ومن يمثلونه، وكذلك تطرح الرواية فكرة انهيار الحضارات والعودة الى نقطة الصفر، فهل نحن مدعون للرجوع الى نقطة الصفر لبناء مجتمعات مثالية من جديد أم اننا سنبقى نعاني افكارا مبدعة من الفساد في شتى صنوف الحياة، في السياسة والاقتصاد والثقافة وصولا الى المنظومات المجتمعية والتربوية.
فما زلنا نعاني من افكار متكلسة حول الموسيقى والفن اجمالا من وجهة نظر الاديان وسلطتها في قمع التفكير الحر منذ محاكمات اعمال الفنان الاسباني فرانشيشكو دي غويا من قبل السلطة الدينية انذاك،واذكر هنا كذلك رواية «فهرنهايت 451 رواية عالمية من تأليف القاص الأمريكي راي برادبري» والتي تطرح طبيعة النظام الشمولي الذي يطمح في غزو العالم عبر الدعايات التلفزيونية والترويج الافكاره السياسية، ونرى الى هذا النظام حسب ما تطرحه الرواية يقوم بحرق الكتب تماما كما فعل هولاكو حين القى الكتب في الانهار، وأذكر هنا رواية الكاتب المصري محمد ربيع «عطارد» والتي تتحدث عن مصر في المستقبل المظلم وكذلك رواية «ممر الفئران» للكاتب المصري احمد خالد توفيق والتي تناقش حجم الانقسامات في الطبقات الاجتماعية في مصر والعالم، واعتقد ان رواية الاردني البوكس «لقاسم توفيق» تكاد تكون الرواية الاكثر اقترابا من المجتمعات الفاسدة والعالم السفلي ويمثل ذلك البطل «احمد البوكس» الذي يقوم بجرائم جنسية وقتل وتنكيل، حيث تقدم الرواية مقطعا مهما ومهمشا في طبيعة الروي الاردني، وكذلك جمال ناجي في احدى رواياته التي تتحدث عن الاقتصاد، فنحن نشهد الان انقساما بائنا بين الطبقات الاجتماعية والتي تمارسها الكنتونات الاقتصادية والسياسية والقبلة في نفس الوقت، ان غياب المثقف في طبيعة توقعاته المستقبلية وابتعاده عن طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه هي من اهم المعضلات التي تواجهنا، لقد فَسُد كل شي بدء من المنظومة الثقافية وصولا الى المنظومة الاخلاقية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش