الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرواية العربية والتأثير في الواقع

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً


د. محمد عبدالله القواسمة
الرواية ــ كما هو معروف ــ فن سردي قادر دون غيره من الفنون السردية على عرض مشاكل المجتمع، وتبني قضاياه، والتأثير فيه، وتوجيهه نحو تغيير أنماط سلوكه وتفكيره، وتهذيب وجدانه، والارتقاء بذائقته الجمالية؛ فلا عجب أن تتصدر، في بلادنا العربية، الأجناس الإبداعية والكتابية؛ فالشعر قل الاهتمام به، ولم يعد ديوان العرب، والقصة والسيرة والمسرحية لا تحظى لا باهتمام الناس ولا باهتمام المؤسسات العامة والخاصة. لم يبق على الساحة الثقافية ذو فاعلية جمالية واجتماعية غير الرواية. فلها خصصت الجوائز، وأقيمت الملتقيات والندوات والمؤتمرات، وأنشئت المواقع على الشبكة الإلكترونية. 
طبعًا، مع إيماننا بأن الرواية والفنون عامة لا يمكن وحدها أن تغير المجتمع، وتصلح عيوبه، ولكننا نؤمن بأنها ذات تأثير كبير في المجتمع، وخاصة الرواية؛ فهي قادرة على إحداث الوعي بمشاكل المجتمع، وتهيئة الناس ودفعهم لتغيير الواقع. لكن من الملاحظ، مع هذا الاهتمام الكبير بالرواية، وكثرة الروايات العربية التي تصدر كل عام فإننا لا نكاد نجد رواية لها أهمية في تقدم المجتمع، وتطور الفن الروائي، حتى تلك الروايات التي نالت الجوائز؛ فلم يكن لها تأثير في المجتمع بل إنها لم تحظ كثيرًا باهتمام النقاد والقراء، وانتهت أهميتها بعد إعلان فوزها. لعل التأثير الذي تركه مسلسل «باب الحارة» أهم من التأثير الذي تركته كل الروايات العربية التي نالت البوكر وكتارا وغيرهما من الجوائز.
أجل، لم يكن لفن الرواية تأثير في حياتنا المضطربة في حين كان لها تأثير كبير في المجتمعات الأجنبيةـ، كما نلمح هذا ــ على سبيل المثال ــ في روايات: «كوخ العم توم» لهارييت بيتشر شتو، و»الأم» لمكسيم غوركي، و»صمت البحر» للكاتب الفرنسي فيركور. فرواية «كوخ العم توم» أشعلت الحرب الأهلية الأمريكية(1861-1865م)، وساهمت في تغيير نظرة الإنسان إلى أخيه الإنسان، ودفعت حركة تحرير الرق إلى الأمام حتى تكللت بإلغاء العبودية في عهد الرئيس أبراهام لنكولن عام 1863م. أما رواية «الأم» ففضحت ظلم الحكم القيصري وفساده في روسيا، ومهدت لقيام الثورة البلشفية عام 1917، أما رواية «صمت البحر» فكانت أداة في أيدي الفرنسيين لمقاومة المستعمر النازي عام 1942م.
في رأيي أنّ غياب تأثير الرواية العربية يعود إلى أن الروائي انصرف عن الواقع وهرب إلى التاريخ، فظل مرهونًا بالماضي غارقًا فيه، وأغرق معه من يقرؤه. كما أن كثيرًا من الروائيات وبعض الروائيين اهتموا بالإيروتيكية، وانشغلوا بالمكبوتات الجنسية، وإطلاق العنان للغريزة الجنسية على حساب القضايا الأخرى، واتجه بعض الروائيين إلى الكتابة رغبة في قنص الجوائز العربية، فأنتجوا روايات حسب مواصفات السوق، وليس حسب ما يتطلبه الواقع. كما تأثر الروائيون العرب بما جرّته العولمة من أفكار ومبادئ، فكتبوا روايات تبالغ في تقدير المرأة، وتمجيد الذات، والتجرؤ على القيم الأخلاقية، والمبادئ الدينية.
إننا لا نستطيع أن نُحمّل أي سلطة سواء السلطة السياسية أم الاجتماعية، أم الدينية كل المسؤولية عن ضعف تأثير الرواية في الواقع العربي؛ فللرواية، مثل غيرها من الفنون، وسائل تستطيع بها أن تشق أي عقبات تعترض طريقها. هذا ما فعله الروائيون في التمهيد للثورات الفرنسية والبلشفية، ودفع الناس إلى مقاومة النازية في الحرب العالمية الثانية.
آن للرواية العربية أن تقوم مقام الشعر الذي كان يُحرّك الناس، ويدفعهم إلى مواجهة أعداء الأمة، وإشاعة روح التفاؤل والأمل في نفوس الناس، كما ظهر في شعر حافظ، وشوقي، وأبي القاسم الشابي، ثم من بعدهم إبراهيم طوقان، وأبو سلمى، وعبد الرحيم محمود، وبدر شاكر السياب وغيرهم.
آن للرواية أن تكون وفية للواقع الذي تعايشه أمتنا العربية، فتبني واقعًا جماليًّا تسوده العدالة، والسكينة، والأمن، وتتحقق فيه قيم الحق والخير والجمال، وأن تسعى إلى التأثير في المجتمع، وشحذ همم الناس، وإنارة الطريق أمامهم، ودفعهم لبناء واقع جديد يخلو من الفساد، والتوجهات الأنانية، والاصطفافات الطائفية، والمذهبية القاتلة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش